والذي يقاتل لله - عز وجل - قد يسرف فيقتل من لا يستحق القتل، ويعاقب الكفار بأشد مما أمر به، يحتاج إلى توبة واستغفار.""
ويقول ابن القيم رحمه الله في نفس السياق:"لما علم القوم أنّ العدوّ إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأنّ الشيطان إنّما يستزلهم ويهز مهم بِها، وأنها نوعان: تقصير في حق أو تجاوز لحد وأنّ النّصرة منوطة بالطاعة، قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، ثمّ علموا أنّ ربهم تبارك وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنّه بيده دونهم وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا فوفّوا المقامين حقّهما؛ مقام المقتضي: وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانعِ من النصرة: وهو الذّنوب والإسراف."انتهى قول ابن القيم رحمه الله.
وكذلك إخواني ينبغي أن يكون أهل الجهاد جميعًا، فليقدِّموا توبتهم الصادقة وكثرة استغفارهم على طلبهم نصرةَ ربهم وتثبيت أقدامهم فالتخلية قبل التحلية، بل هم يعلمون أن وقع الذنوب والمعاصي على جيوش المسلمين وجماعات المسلمين أشد وأنكى وأفتك مما تفعله القنابل والصورايخ، ومن لم يدرك هذه الحقيقة فأهملها وذهب يبحث عن النصر بين الذخائر والأسلحة والتدريبات والخطط والذكاء والخبرة غير مبالٍ بذنب يقترف، ولا مكترث بخطيئة ترتكب، ولا ملتفتٍ إلى معاصيَ تُجتَرح، فقد هلك وأهلك.
يقول ابن تيمية رحمه الله:"وظهور الكفار على المؤمنين أحيانًا هو بسبب ذنوب المسلمين كيوم أحد، فإن تابوا انتصروا، فإن تابوا انتصروا على الكفار وكانت العاقبة لهم، كما قد جرى مثل هذا للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار، وهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قاموا بعهوده ووصاياه، نصرهم الله وأظهرهم على المخالفين له، فإذا ضيعوا عهوده ظهر أولئك عليهم، فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وجودًا وعدمًا من غير سبب يزاحم ذالك."انتهى قول ابن تيمية رحمه الله
ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا من جهد ومن صبر، بل اعتمدوا على الله، وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين، وأن ينصرهم عليهم، فانظر جمعوا بين الصبر وترك ضده، والتوبة والاستغفار والاستنصار بالله - عز وجل -، فحتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار. . وهذا هو الأدب اللائق بالمؤمنين في حق الله - عز وجل - الكريم.
وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئا, أعطاهم الله - عز وجل - كل شيء، أعطاهم من عنده كل ما يتمناه طلاب الدنيا وزيادة. وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلاب الآخرة ويرجونه قال - عز وجل: {فآتاهم الله ثواب الدنيا} من النصر والظفر والغنيمة وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْعِزَّةِ، وَحُسْنِ الْأُحْدُوثَةِ وَشَرَفِ الذِّكْرِ بين الناس، {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحُسن ثواب الآخرة} : وهو الفوز برضا ربهم، والنعيم المقيم وما ذاك إلا أنهم أحسنوا له الأعمال، فجازاهم بأحسن الجزاء، وإنّما جمع لهم بين ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة; لأنّهم أرادوا بعملهم سعادة الدّنيا والآخرة، وإنّما الجزاء على حسن الإرادة، ولهذا ربي قال: {والله يحب المحسنين} ، فشهد لهم سبحانه بالإحسان. في عبادة الله سبحانه ومعاملة الناس، وأعلن حبه لهم. وهو أكبر من النعمة وأكبر من الثواب، ومن الإحسان أن يفعل عند جهاد الأعداء، كفعل هؤلاء الموصوفين.
فالله نسأل أن يرزقنا حسن الإتباع، وحسن الائتساء بالأنبياء وأتباع الأنبياء
وفي هذا القدر كفاية ـ إخواني ـ إلى أن نلتقي مع الآيات الأخر