الحلقة الثانية:
التذكير بانتصار بدر
معاشر الإخوة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ربنا علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعلنا من العاملين.
أيها الإخوة في الله، كنا قد تحدثنا في الحصة السالفة عن توطئة بسيطة متعلقة بذكر أحداث غزوة أُحد بشيء من الاختصار كما ذكرنا، وألمحنا في ثنايا الحديث إلى أهمية الوقوف عند العبر والدروس والتوجيهات التي تضمنها القرآن الكريم، حين نزل يعقب على أحداث الغزوة.
وقلت: نحن في حاجة ماسة إلى أن نقف مع تلك الدروس للاستفادة في جهادنا وفي طريقنا إلى الله وطريق هذا الدين؛ من أجل أن نستفيد من هزائمنا، هزائمنا السياسية والعسكرية، وهزائمنا التربوية على وجه الخصوص.
فنحن في أمسّ الحاجة إلى أن نراجع تلك السيرة العطرة من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
اليوم -إن شاء الله- سنحاول أن نبدأ في الحديث عن مطلع الآيات التي نزلت في أعقاب الغزوة، فنقول والله - عز وجل - المستعان:
افتتح القرآن الكريم التعقيب في الحديث عن الغزوة بقول الله - عز وجل: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
فهكذا يبدأ القرآن باستعادة المشهد الذي كان قريبًا من نفوس المخاطبين، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم الراجعين من غزوة أحد بجراحهم وبقتلاهم، فكان هذا المشهد قريبًا من ذاكرتهم.
وفي الآية -أي في خطاب الله سبحانه لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} أعظم مدح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ هو الذي يباشر تدبير الجيش وإقامة المقاتلين في مقاعد القتال، وما ذلك إلا لكمال علمه ورأيه، وسداد نظره وعلو همته - صلى الله عليه وسلم -.
كذلك في غدوّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن تنازل عن رأيه، وبعد المشورة التي تمت، أنه -أي من الفائدة أنه- لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم أن يخرجوا إليه، بل يجوز لهم أن يبقوا في ديارهم ويقاتلوا العدو داخل ديارهم إذا كان ذلك أنصَرُ وأصلح لهم على عدوهم كما أشار به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أُحد، فالقرار إنما يدور على المصلحة والمفسدة وتحقيق النصر ودرْء الهزيمة.
كذلك الآية الكريمة تُذكّر بحقيقة معية الله - عز وجل - وسمعه وعلمه بكل ما كان وما دار بين الصحابة - رضي الله عنهم - وهم يتشاورون في أمر القتال، فالله سبحانه وتعالى قال: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فهو قد سمع سبحانه وتعالى أقوال المشيرين وعلِم نية كل قائل، وأن منهم -أي من هؤلاء الذين تحدثوا يومئذ- منهم المخلص في قوله وإن أخطأ في رأيه، كالقائلين بالخروج إلى قريش، ومنهم غير المخلص في قوله وإن كان رأيه صوابًا، كقول عبد الله بن أُبيّ ومن معه من المنافقين.