وتحريرها أيضًا من ربقة الشهوات والمطامع، وظلمة الخطيئة.
فالمعركة كما قلت: المعركة الحربية في الحركة الجهادية ليست معركة أسلحة وخيل ورجال وعدة وعتاد وتدبير حربي فقط! هذا جزء، فهذه المعركة الجزئية ليست منعزلة عن المعركة الكبرى في عالم النفس وعالم الضمير، وعالم التنظيم والْتزام السنن للجماعة المسلمة، كل ذلك -إخواني- هو مادة إعداد الجماعة المسلمة للمعركة وتعبئتها للانتصار الكبير، الانتصار على النفس والشهوات والمطامع والأحقاد، والانتصار أيضًا في تقرير القيم المبادئ لحياة الجماعة المسلمة.
هذه التوجيهات التي نزل بها القرآن الكريم ليست بمعزل عن المعركة الحربية التي يتصورها البعض كل شيء، فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والمعارك الأخلاقية والنظامية كذلك، والذين تولوا يوم الْتقى الجمعان في"أُحد"إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب، والذين انتصروا في معارك العقيدة وراء أنبيائهم -صلوات الله وسلامه عليهم- هم الذين بدؤوا المعركة بالاستغفار من الذنوب، والالتجاء إلى الله - عز وجل - كما ذكر ذلك الله في ثنايا التعقيب على معركة أحد.
إذن، ذلك كله من عدة النصر، وهي في نفس الوقت ليست بمعزل عن الميدان! فالسيطرة على النفس قوة من قوى المعركة، والتضامن والتوادد والتآخي في المجتمع أيضًا قوة كذلك، ولا قيمة للانتصار العسكري أو الانتصار السياسي ما لم يكن هذا كله على أساس دين الله - عز وجل - في الانتصار على النفس والانتصار على الهوى؛ ليكون كل نصرٍ نصرًا لله - عز وجل - وحده، ولدين الله - عز وجل -، وليكون كل جهد في سبيل الله لا في سبيل النفس والهوى، وإلا فهي جاهلية تنتصر على جاهلية، ولا خير فيها للحياة ولا خير أيضًا للبشرية، إنما الخير -يا إخوة الإسلام- أن ترتفع راية الحق لذات الحق، أن يكون الدين كله لله في نفس المجاهد وفي نفس واقعه وواقع جماعته، والحق واحد لا يتعدد، وانتصاره لا يتم حتى يتم أولًا في داخل النفس، وفي نظام الحياة الواقعية.
إخواني، تزول الأحداث كما مرت أحداث أحد وغيرها من الغزوات، وتبقى الحقائق والمبادئ والقيم، يبقى كل ذلك رصيدًا صالحًا للتزود، بغض النظر عن اعتبارات الزمان واعتبارات المكان، وهذه الحصيلة الباقية تدخرها نصوص القرآن العظيم لكل قلب ينفتح بالإيمان في أي زمان وفي أي مكان ليستفيد، ونحن اليوم إذ نعيش مرحلة مهمة من مراحل التجديد لدين الله - عز وجل - دعوةً وجهادًا أحوج ما نكون لتلك الدروس التي سجلها القرآن العظيم للجماعة المسلمة، سجلها لها -كما قلت- وهي حديثة النشأة وفي بداية طريقها الطويل.
إذن، فلنحاول أن ننظر كيف عالج القرآن العظيم الموقف بطريقة القرآن، وهو يتتبع دخائل النفوس وخوالج القلوب، ويتخذ من الأحداث مادة تنبيه وتنوير وتوجيه.
وإلى أن نلتقي مع أوائل الآيات التي نزلت في أعقاب غزوة أحد، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين، وأن يجعلنا مفاتح خير مغاليق شر، هو ولي ذلك والقادر عليه، وإلى ذلكم الحين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.