على المسلمين من الخلف وتطويقهم.
قبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين، فأرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول لهم:"خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم"
فرد عليه الأنصار - رضي الله عنهم - ردًا عنيفًا، كما حاول نفس المحاولة أبو عامر الفَاسِقُ ففشل أيضًا.
اندلعت المعركة، وكانت الغلبة للمسلمين، وكانت أيضًا لفصيلة الرماة على الجبل دور مهم في إدارة القتال لصالح المسلمين، فقد أفشلوا ثلاث هجمات لخالد بن الوليد، وفي الوقت الذي كان الجيش المسلم الصغير يسجل مرة أخرى نصرًا ثانيًا ساحقًا على أهل مكة، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة قلبت الوضع تمامًا، وقلبت النصر هزيمة، فلما رأى الرماة هزيمة المشركين تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظه بكل تلك تأكيدات التي ذكرناها وقال بعضهم لبعض:"لِمَ تقيمون هاهنا في غير شيء وقد هزم الله عدوكم، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم"فذكرهم أميرهم عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يسمعوا! وظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر، وكرَّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليًا قد خلا من الرماة فجازوا منه واحتاطوا بالمسلمين، وكان اليوم يوم بلاء وتمحيص حين انقلب النصر إلى هزيمة.
في هذه الظروف انهارت الروح المعنوية للجيش -جيش المسلمين- أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفراد المسلمين، توقف من توقف عن القتال، وألقى سلاحه مستكينًا، بل فكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي -رأس المنافقين-؛ ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان.
واستطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - بحنكته القيادية وشجاعته - صلى الله عليه وسلم - في هذه الظروف الصعبة -ظروف التطويق- أن ينسحب بالجيش بين المشركين المهاجمين، بل اشتد المشركون في هجومهم؛ لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-.
وبلغ الإعياء برجال قريش مبلغًا بالغًا، وفشلت محاولاتهم الهجومية المتكررة من أجل للقضاء على المسلمين نهائيًا، فقررت قريش في هذه الحالة إنهاء القتال، وانجلت المعركة عن سبعين شهيدًا من المسلمين كانت أغلبيتهم الساحقة من الأنصار - رضي الله عنهم -.
انتهت الغزوة ونزل القرآن الكريم يعلم ويربي الصحابة بأحداث تلك الغزوة.
إن القائد المربي يرى أن غزوة أحد لم تكن معركة سيوف ورماح في الميدان وحده، إنما كانت كذلك معركة في الضمير وفي النفس بكل تصوراتها ومشاعرها وأطماعها ودوافعها.
ميدان القتال -الذي يشد أنظار الكثير من الناس- كان جانبًا واحدًا من جوانب المعركة.
كان الفاصل بين النصر والهزيمة لحظة من الزمان، وهذه اللحظة كانت في نفوس المسلمين لحظة الطمع في الغنيمة، ومخالفة الأمر، واستعجال قطف الثمرة، وكان الانتصار الكبير بعد النصر والهزيمة يوم أحد هو انتصار المعرفة، حين استفاد الصحابة من الحدث بتوجيه القرآن الكريم، قلت: كان انتصار المعرفة الواضحة والرؤية المستنيرة للحقائق التي جلاها القرآن العظيم، الحقائق التي ما كانت لتستقر في نفوس الصحابة لولا ذلك البلاء، وقد دفعوا الثمن غاليًا ليتلقوا الدرس عاليًا.
ولعل مما يلفت النظر في التعقيب القرآني الكريم على أحداث معركة أحد، هو ذلك الازدواج بين استعراض وقائع المعركة والتوجيهات المباشرة على تلك الوقائع، وبين التوجيهات الأخرى المتعلقة بتصفية النفوس وتزكيتها وتخليصها من التصور الخطأ،