الحلقة الحادية عشر:
الاستقامة سبيل النصر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إخواني في الله كنا قد تناولنا في آخر حصة قول الله - عز وجل - لنبيه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}
وبعدما خصص الله سبحانه وتعالى الخطاب لنبيه، عمم بعد ذلك الخطاب لجميع المسلمين، فقال: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
والكلام في الآية كما قال صاحب المنار رحمه الله:"هو استئناف مسوق لبيان وجه وجوب التوكل على الله تعالى بعد المشاورة والعزيمة المبنية على أخذ الأهبة والاستعداد بما يستطاع من حول وقوة، فإن ينصركم الله أي يمددكم الله - عز وجل - بنصره ومعونته فلا غالب لكم، لو اجتمع عليكم من في أقطارها، وما عندهم من العدد والعدد، لأن الله تعالى لا مغالب له وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم فلا تتحرك دابة إلا بإذنه ولا تسكن إلا بإذنه، وفي المقابل وإن يخذلكم ويكلكم إلى أنفسكم بما كسبت أيديكم من الفشل و عصيان أمر القائد فيما حتم من عمل كما جرى لكم يوم أحد أو بالإعجاب بالكثرة والاعتماد على الاستعداد والقوة وهو مخل بالتوكل على الله سبحانه، كما جرى يوم حنين، فساعتئذ من ذا الذي ينصركم من بعده، فلا أحد يملك لكم حينئذ نصرا ولا أن يدفع عنكم ضرا، فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق، والخبر في الآية مستعمل في لازم معناه، وهو الحض على تحصيل أسباب النصر وتفادي أسباب الخذلان، وفي ضمن ذلك الأمر بالاستنصار بالله وحده والاعتماد عليه والبراءة من الحول والقوة ولهذا قال: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وتقديم المعمول يؤذن بالحصر كما قال علماء اللغة أي على الله توكلوا لا على غيره لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده فالاعتماد عليه توحيد محصن للمقصود والاعتماد على غيره شرك ضار غير نافع لصاحبه، وفي الآية الكريمة الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله على ربه - عز وجل -."
والتوكل معشر الإخوان إنما يكون مع الأخذ بالأسباب، وأن ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل، والله سبحانه وتعالى إنما يرزق الطير مع غدوها ورواحها، فسنة الله - عز وجل - تجري بترتيب النتائج على الأسباب لكن الأسباب ليست هي التي تنشئ النتائج، فالفاعل المؤثر هو الله سبحانه وتعالى وحده، والله سبحانه يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته، ومن ثم يطلب الله سبحانه وتعالى إلى الإنسان أن يؤدي واجبه وأن يبذل جهده وأن يف بالتزاماته الإيمانية وبقدر ما يوفي هذا الإنسان بذلك كله يرتب الله - عز وجل - النتائج ويحققها، وهكذا تظل النتائج والعواقب متعلقة بمشيئة الله - عز وجل - وقدره،
فكون النصر والهزيمة بأمر الله سبحانه وتعالى، هذا لا يعف المسلمين من إتباع المنهج وطاعة التوجيه والنهوض بالتكاليف واتخاذ الأسباب وبذل الجهد، ثم بعد ذلك حسن التوكل على الله وحده، ذلك بأن الإنسان إذا توكل ولم يستعد للأمر ويأخذ له أهبته بحسب سنة الله