الحلقة التاسعة:
القعود لا يزيد أجلا
بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، و - صلى الله عليه وسلم - على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته وجاهد بجهاده إلى يوم الدين ..
إخواني .. كنا قد تطرقنا أو تناولنا في الحصة السابقة، إرشاد الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين ألا يطيعوا الكافرين والمشركين والمنافقين، والذين أرادوا أن يستغلوا هزيمة أحد، من أجل بثّ الوهن والندم وخذلان الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في صفوف الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
واليوم .. إن شاء الله، كذلك سنرى القرآن الكريم، يوجه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى عدم مشابهة في الأقوال.
فيقول الله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}
ظاهر مناسبة هذه الآيات في سياق المعركة، أن هذه الأقوال التي ذكرت في الآية، كانت هي أقوال المنافقين الذين رجعوا قبل المعركة، الذين خذلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قبل أن يكون قتال وقبل أن يكون قتلى في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كذلك كانت هي أقوال المشركين من أهل المدينة الذين لم يدخلوا في الإسلام .. الذين اتخذوا ـ أي المنافقون والمشركون ـ الذين اتخذوا واستغلوا المصيبة ومقاتل الشهداء في أحد، من أجل إثارة الحسرة في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وتثبيطهم عن الجهاد في سبيل الله - عز وجل -.
فنهى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين في كل شيء، حتى في هذه الأقوال، التي تبدو أقوالا فقط وفي هذا الأمر الخاص، وهو أنهم يقولون لإخوانهم في الدين أو إخوانهم في النسب: {إذا ضربوا في الأرض} أي: سافروا للتجارة {أو كانوا غزا} : غزاة، ثم جرى عليهم قتل أو موت، يقولون وهم يعارضون قدر الله - عز وجل: {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} وهذا كذب بائن، فقد قال الله - عز وجل - {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} ولكن هذا التكذيب من القرآن الكريم لم يفدهم، لأن القلوب قلوب غلف، بل إن الله - عز وجل - جعل هذا القول، وهذه العقيدة ـ التي يعتقدونها ـ حسرة عليهم في قلوبهم، فتزداد مصائبهم، بازدياد حسراتهم التي تبعدهم يوما بعد يوم عن صراط الله المستقيم.
أما المؤمنون ـ في المقابل ـ المؤمنون بالله - عز وجل -، فإنهم يعلمون أن ما أصابهم إنما أصابهم بقدر الله تبارك وتعالى، فيؤمنون به ويسلمون أمرهم لله - عز وجل -، فيهدي الله تبارك وتعالى قلوبهم ويثبتها، ويخفف بذلك عنها المصيبة ..
فالمعنى ـ معاشر المسلمين ـ لا تكونوا مثل أولئك الكافرين في اعتقادهم، ولا تقولوا أيضا مثل قولهم الناشئ عن ذلك الاعتقاد الفاسد، ليكون ذلك منكم سببا لتحسرهم وغمّهم، وهذا بحسب سنة الله تبارك وتعالى.
فإن هؤلاء الكافرين والمنافقين إذا رأوا المسلمين أشداء أقوياء، لا يضعفهم فقدُ من فُقد من الشهداء، ولا يقعدهم عن الجهاد في سبيل الله - عز وجل - خوف أن تصيبهم مقتلة أو مصيبة، فإنهم ـ