فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 82

أما كون الاستزلال قد كان ببعض ما كسبوا فقد قيل: إن الباء في قوله - عز وجل: {بِبَعْضِ} على أصلها، وأن الزلل الذي وقع هو عين ما كسبوا من التولي عن القتال، وقيل: إنها للسببية، أي إن بعض ما كسبوا قد كان سببا لزلتهم، ولما كان السبب متقدما دائما على المسبب، وجب أن يكون ذلك البعض من كسبهم متقدما على زللهم ومفضيا إليه.

وللسببية، وجه آخر ينطبق على كل من القولين في الذين تولوا، وهو أن توليهم عن القتال لم يكن إلا ناشئا عن بعض ما كسبوا من السيئات، فإنها هي التي أحدثت الضعف في نفوسهم حتى أعدتها إلى ما وقع منها، ويؤيد هذا الوجه قول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}

والآيتان واردتان في بيان سنة من سنن الله - عز وجل - في أخلاق البشر وأعمالهم، وهي أن المصائب التي تعرض لهم في أبدانهم وشئونهم إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم ..

وقد تكون الإشارة في هذه الآية خاصة بالرماة الذين جال في نفوسهم الطمع في الغنيمة، ولكنها في عمومها تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئة, فتفقد ثقتها في قوتها, ويضعف ارتباطها بالله - عز وجل - , ويختل توازنها وتماسكها, وتصبح عرضة للوساوس والهواجس, بسبب تخلخل صلتها بالله تبارك وتعالى وثقتها في رضاه، وعندئذ يجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس سهلا, فيقودها إلى الزلة بعد الزلة, حتى ينقطع بهم في التيه, بعيدا عن الله - عز وجل -، بعيدا عن الحمى الآمن, والركن الركين في طاعة الله ورسوله ..

ومن هنا كما ذكرنا كان الاستغفار من الذنب هو أول ما توجه به الربيون الذين قاتلوا مع النبيين في مواجهة الأعداء. الاستغفار الذي يردهم إلى الله سبحانه وتعالى ..

ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم، بعدما فعلوا ما يوجب المؤاخذة، فعفا الله سبحانه وتعالى عنهم وإلا فلو آخذهم لاستأصلهم.

إن الله غفور للمذنبين الخطاءين بما يوفقهم له من التوبة والاستغفار، وما يقدره عليهم من المصائب المكفرة، غفور حليم، لا يعاجل من عصاه، بل ينتظر به، ويدعوه إلى الإنابة إليه، والإقبال على الله سبحانه وتعالى، متى علم الله سبحانه وتعالى من نفوس عباده التطلع إليه, والتطلع إلى التوبة والاتصال به؛ ولم يعلم منها التمرد والتفلت والإباء!

فلله الحمد على إحسانه ولله الحمد على وحلمه وغفرانه.

اللهم تسألك مغفرة الذنوب وستر العيوب وتفريج الكروب أنت ولي ذلك والقادر عليه

أقول قولي هذا أستغفر الله العظم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت