فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 82

الحقيقة، فيما يتساءلون فيه، فيقول: {قل إن الأمر كله لله} أمره القدري و أمره الشرعي، فجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبة النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى من الهزيمة.

ومن قبل هذا كنا قد ذكرنا قول الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} أي لرسول الله، فأمر هذا الدين, والجهاد لإقامة الدين وتقرير نظامه وهداية القلوب له .. كلها من أمر الله سبحانه، وليس للبشر فيها من شيء, البشر واجبهم أن يؤدوا الأمانة ويفوا بالبيعة، ثم يكون ما يشاءه الله سبحانه وتعالى كيف ومتى شاء!.

يخفون ـ هؤلاء الذين يظنون بالله ظن الجاهلية يعني المنافقين ـ في أنفسهم ما لا يبدون لك، ثم بين الله سبحانه وتعالى الأمر الذي يخفونه، فقال: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء} أي: لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة وقيادة، لما قتلنا هاهنا، وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله - عز وجل -، وتسفيه لرأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، وتزكية لنفوسهم .. فسؤالهم: {هل لنا من الأمر من شيء} .. يخفي وراءه شعورهم بأنهم دُفعوا إلى مصير لم يختاروه! وأنهم ضحية سوء القيادة والتسيير، وأنهم لو كانوا هم الذين يديرون المعركة لانتصروا وما وصلوا لهذا المصير.

هذا هو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة, حينما تصطدم هذه النفوس في موقعة بالهزيمة، وترى الثمن أفدح مما كانت تظن .. وحين تتخيل أن تصرف القيادة هو الذي ألقى بها في هذه المهلكة والهزيمة، حين إذ تنطق الألسن بهذه العبارات .. المسألة كلها ـ في اعتبارها ـ خسارة في خسارة! وضياع في ضياع!.

هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله: {قل لو كنتم في بيوتكم} التي هي أبعد شيء عن القتل: {لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} فالأسباب ـ وإن عظمت ـ إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا، بل لا بد أن يمضي الله سبحانه وتعالى ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت أو الحياة، ..

{وليبتلي الله ما في صدوركم} أي: يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف إيمان،

{وليمحص ما في قلوبكم} من وساوس الشيطان، وما ينجم عن ذلك من صفات غير حميدة ... فليس يا إخوان .. ليس ثمة كالمحنة محك يكشف ما في الصدور , ويصهر ما في القلوب, فينفي عنها الزيف والرياء, ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء ..

ثم قال {والله عليم بذات الصدور} أي: بما فيها وما تكنه، فاقتضى علمه وحكمته أن قدّر من الأسباب، ما به تظهر مخبآت النفوس وسرائر الأمور .. فالله - عز وجل - يريد أن يكشفها للناس, بل يكشفها لأصحابها أنفسهم, فقد لا يعلمونها من أنفسهم, حتى تنفضها الأحداث وتكشفها لهم على الحقيقة!

ثم رب قال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ... }

فالله يخبر عن حال الذين انهزموا يوم"أحد"وما الذي أوجب لهم الفرار والهزيمة، وأن ذلك إنما هو من تسويل الشيطان، وأن الشيطان إنما تسلط عليهم ببعض ذنوبهم. فهم الذين أدخلوه على أنفسهم، ومكنوه منها بما فعلوا من المعاصي، لأن المعاصي هي مدخل الشيطان، فلو اعتصموا بطاعة ربهم وطاعة نبيهم ما كان للشيطان عليهم من سلطان ..

{إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} قال الراغب: استجرهم، استزلهم أي استجرهم حتى زلوا، لأن الخطيئة الصغيرة إذا ترخّص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت