فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 82

وتمرّن على الصبر على المصيبات، فيخف عليها تحمل المشقات.

ثُمَّ قال سبحانه: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} .

النعاس حينما ينزل بالمجاهدين المرهقين المفزعين, ولو لحظة واحدة, يفعل في كيانهم فعلا عجيبا, ويردهم خلقا جديدا .. روى الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة - رضي الله عنهم - قال: (رفعت رأسي يوم أحد, وجعلت أنظر, وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت جحفته من النعاس) .

وفي رواية عن أبي طلحة: (غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد , فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه , ويسقط وآخذه) ..

أما الطائفة الأخرى .. الذين قد أهمتهم أنفسهم، ولم يسلموا أنفسهم لله سبحانه وتعالى خالصة، فليس لهم همّ في غير نفسهم، لنفاقهم أو ضعف إيمانهم، فلم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء وتمحيص من الله سبحانه، وليس تخليا من الله سبحانه عن أوليائه لأعدائه, ولا قضاء منه سبحانه للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم من القلق، أي بسبب القلق الذي في نفوسهم والجزع والخوف.

إن هذه العقيدة، يا إخواني تعلّم أصحابها ـ فيما تعلمهم ـ أنهم حين يخرجون للجهاد في سبيل الله - عز وجل -، يخرجون لله ويقاتلون لله , بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد, وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره, فيتلقون ما يأتيهم من مصائب عن رضا و تسليم ...

فأما الذين تهمهم أنفسهم, وتصبح أنفسهم محور تفكيرهم واهتمامهم وانشغالهم، فهؤلاء لم تكتمل بعد في نفوسهم حقيقة الإيمان وحقيقة الجهاد والتسليم لله سبحانه.

هؤلاء ظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، كما قال في آية أخرى {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا ... } وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا يوم أحد، أن هذه هي الفيصلة، وأن الإِسلام قد باد وانتهى أهله, وهذا شأن أهل الريب والشك إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة ..

هؤلاء يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم, ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعا ولا إرادة لهم فيها، وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير, ويؤدون الثمن فادحا من القتل والقرح والألم بلا فائدة ..

هؤلاء لا يعرفون الله حق المعرفة, فهم يظنون بالله غير الحق, يظنون بالله ظن الجاهلية. ومن الظن غير الحق بالله أن يتصوروا أن الله سبحانه مضيعهم في هذه المعركة, التي ليس لهم من أمرها شيء, وإنما دُفعوا إليها دفعا ليموتوا ويجرحوا, والله لا ينصرهم ولا ينقذهم، إنما يدعهم فريسة لأعدائهم, ويتساءلون: {هل لنا من الأمر من شيء} وهذا استفهام إنكاري، وقولتهم هذه تتضمن الاعتراض على خطة القيادة والمعركة، الاعتراض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وقيل معناها في قول الله تعالى {ما لنا من الأمر ... } أي: من النصر والظهور شيء، فأساءوا الظن بربهم وأساءوا الظن بدينهم وأساءوا الظن بنبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وظنوا أن الله سبحانه وتعالى لا يتم أمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله - عز وجل - .. وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ، لأنَّ نَصْرَ الله سبحانه وتعالى لرسُله لا يمنَع أَنْ تَكُون الْحَرب سجَالًا كما ذكرنا في آية سابقة وَفي الأخير العاقبة للمتَّقين.

وقبل أن يكمل سياق القرآن عرض وساوسهم وظنونهم, يبادر إلى تصحيح الأمر وتقرير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت