فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 82

الصادقين .. لم يكونوا مع ذلك على مستوى إيماني واحد، فلا يزال فيهم من يتعاطف مع ابن أبي وجنده، {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا} . {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} .. {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} .. {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} ..

ففيهم المنافقون، وفيهم ضعاف الإيمان، وفيهم الذين عصوا الأمر وأرادوا الغنيمة.

لذلك كله كان التمييز في الصف بين المؤمنين والمنافقين: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِين*وليعلم الذين نافقوا ... } ..

من الطبيعي أن يتخلخل الصف بعد بدر، فالذين دخلوا في الإسلام، دخل كثير منهم مجاراة لقوة الإسلام، ومن الطبيعي أن ينبت النفاق بعد النصر الحاسم القاصم في بدر، وقطع دابر الكافرين من قريش، وسيطرة القوة الإسلامية على الساحة، وهزيمة اليهود الماحقة في بني قينقاع في المدينة، فقد قذف الرعب في قلوب المنافقين، فأخفوا دخيلة أنفسهم وساروا مع الركب مكرهين.

وما أن لاحت لحظة ضعف، حتى كشف المنافقون خبيئة نفوسهم .. كشفوها يوم انفصلوا عن الجيش، وقد وصلت إليهم أنباء قوة قريش القادمة .. وانكشقت يوم بلغهم مقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانقض عليهم المشركون من الخلف فقالوا:"إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول".

إن جو أحد يختلف تماما عن جو بدر .. في بدر علم الله تعالى ما في صدور المؤمنين، وأنهم يستحقون النصر، على ضعفهم وعجزهم وقلة عددهم وعددهم، فأرسل جنوده من الريح والحصى والنعاس والماء، وجنوده من الملائكة .. فكان النصر الذي لم يعرف التاريخ مثيلا له.

أما في أحد، فلم يسلم الله تعالى بعد أن سلم ابتداء، ولم تكن ذات الصدور في أحد كما كانت في بدر .. كان الفشل والتنازع في الأمر، والمعصية، وحب الدنيا .. برز هذا كله من بعد ما أراهم ما يحبون، أي من بعد نصر الله لهم ابتداء .. فكان قدر الله الذي لا يرد .. كانت العقوبة مباشرة {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} .

وهو ابتلاء فقط، ومحنة وتمحيص، وليست هزيمة أو إبادة، {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ..

حكمة الله تعالى بتمحيص الصف وتمييز المؤمن من المنافق، وقوي الإيمان من ضعيفه أبرزت نماذج إيمانية رائعة في قلب المحنة، ما كان لنا أن نشهدها لولا هذه المحنة .. وعلى رأس هذه النماذج أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب .. وأنس بن النضر عم أنس بن مالك .. وأبو دجانة بن خرشة .. وسعد بن أبي وقاص .. والأنصار التسعة الذين قتلوا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. بل حتى من النساء كأم عمارة التي قالت عن نفسها"قمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي".. - رضي الله عنهم - أجمعين.

وهؤلاء الشهداء السبعون الذين قضوا نحبهم في أحد، ووراءهم أعداد الجرحى، لم تمض هدرا أو عبثا، إنما سقطت وهي تذود عن القيادة وعن الدين، وعن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ..

إخواني في نزول القرآن بعد الأحداث تنبيه مهم لقيمة التقييم والتقويم في نمو الفرد والجماعة .. لا تصلح حركة تختبئ وراء"قدر الله وما شاء فعل"لتستر عيوبها .. ولن يشفى مريض أبى أن يكشف عورته للطبيب متسترا بالحياء .. ومن كتم داءه قتله ..

الأمم حينما تنحرف وتدخل في متاهات ولا تتضح لها الرؤية المستقبلية تحتاج أن تعود إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت