التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله - عز وجل - وقدره، والطعن في رأي النبي ورأي المسلمين .. يقولون: لو أطاعونا في ترك القتال ما قتلوا. . كما لم نقتل نحن .. وفيه أيضا إيذان بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا .. فيجعلون من تخلفهم حكمة ومصلحة , ويجعلون من طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتباعه مغرما ومضرة .. وهذا القول الخبيث دال على فساد السريرة وضعف العقل والدين، وضرره يتعدى لما فيه من تثبيط همم المجاهدين .. قال الله - عز وجل - يرد عليهم: {قُلْ فَادْرَأُوا} أي فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، والحق أنهم لا يقدرون على ذلك ولا يستطيعونه .. فالموت يصيب المجاهد ويصيب القاعد , ويصيب الشجاع ويصيب الجبان. ولا يرده حرص ولا حذر. ولا يؤجله جبن ولا قعود. . فما كل من حارب قتل، فقد عرف بالتجربة أن كثيرين يصابون بالرصاص في أثناء القتال ولا يموتون، وأن كثيرين يخرجون من المعمعة سالمين ولا يلبثون بعدها أن يموتوا حتف أنوفهم كما يموت كثير من القاعدين عن القتال. فإذا فما كل مقاتل يموت، ولا كل قاعد يسلم.
يقول ابن القيم رحمه الله: وكان من الحكمة تقديره تعالى في هذه الواقعة تكلم المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه لهم، وعرفوا مواد النفاق، وما يؤول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة. فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة. فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة، ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف، وإرشاد وتنبيه، وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما.
مما يلفت النظر في الاستعراض القرآني لأحداث المعركة , تأخيره ذكر حادث نكول عبد الله ابن أبي ومن معه عن المعركة - وقد وقع في أول أحداثها وقبل ابتدائها إلى هذا الموضع من السياق. .
وهذا التأخير إخواني يحمل سمة من سمات منهج التربية في القرآن، فقد آخره حتى يقرر جملة القواعد الأساسية للتصور الإسلامي التي قررها من قبل في الآيات، وحتى يقر في الأخلاد جملة المشاعر الصحيحة التي أقرها، وحتى يضع تلك الموازين الصادقة للقيم التي وضعها. ثم يشير هذه الإشارة إلى {الَّذِينَ نَافَقُوا} وفعلتهم وتصرفهم بعدها, وقد تهيأت النفوس لإدراك ما في هذه الفعلة وما في هذا التصرف من انحراف عن الفهم الصحيح, والمعتقد الصحيح والقيم الصحيحة في الميزان الصحيح.
وهكذا ينبغي أن تنشأ التصورات وتنشأ القيم الإيمانية في النفس المسلمة, وأن توضع لها الموازين الصحيحة التي تعود إليها لاختبار التصورات والقيم, ووزن الأعمال والأشخاص, ثم تعرض عليها الأعمال والأشخاص ـ بعد ذلك ـ فتحكم عليها الحكم المستنير الصحيح بالعلم الصحيح, والحس الإيماني الصحيح.
فإذا الله سبحانه وتعالى بين سبب الهزيمة وبين الحكمة من الهزيمة.
والله نسأل أن يلهمنا الرشد في القول وفي العمل
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته