الله فسيغني الله عنكم, ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. بمن بقي معه
فقوله سبحانه: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا. فقد علموا وتيقنوا أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم يوم بدر، وقد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على قتالهم، فمن كانت هذه حاله، كيف يتصور أنهم لا يصير بينه وبين المسلمين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم، هذا من المستحيل، ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر يروج على المؤمنين، وقيل لو نعلم قتالا أي إنا لا نحسن القتال ولا نقدر عليه وعدم المعرفة بالقتال لا يكون عذرا في عدم تكثير سواد المسلمين .. ورب عذر أقبح من ذنب كما يقال
قال الله - عز وجل - عنهم: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ} أي: في تلك الحال لظهور أمارته عليهم بانخذالهم عن نصر المؤمنين واعتذارهم لهم على وجه الدغل والاستهزاء .. لأن القعود عن الجهاد في سبيل الله - عز وجل - والدفاع عن والأمة عند هجوم الأعداء من الفرائض التي لا يتعمد المؤمن الصحيح تركها.
قال: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، لأن الشخص قد تتقلب به الأحوال, فيكون في حال أقرب إلى الكفر, وفي حال أقرب إلى الإيمان، فقال الله - عز وجل - عنهم إنهم أقرب إلى الكفر، ولم يقل إنهم كفار من علمه بحالهم تأديبا لهم ومنعا للتهجم على التكفير بالعلامات والقرائن.
أقول: يعني إن هذا الذي صدر منهم، وإن كان من شأنه ألا يصدر إلا من الكافرين لا يعد ـ بحد ذاته ـ كفرا صريحا في حكم الظاهر، لاحتمال العذر والتأويل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعاملهم معاملة المؤمنين لا معاملة الكافرين. فتنبه لهذه النكتة
وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الأخرى.
ثم قال الله - عز وجل - {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي إن الذي يبدونه ليس موافقا لما في قلوبهم وهذه خاصة المنافقين، لأنه لا يكون نفاق بغير كذب. وآية المنافق الكذب. يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم.
ومنه قول الله - عز وجل: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} فإنهم قد علموا وقوع القتال. فقد كان في قلوبهم النفاق , الذي لا يجعلها خالصة للعقيدة , وإنما يجعل أشخاصهم واعتباراتها فوق العقيدة واعتبارات العقيدة.
والمنافقون سيرتهم واحدة فقد قال الله - عز وجل - عنهم يوم الخندق والخندق بعد أحد بسنوات {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} واستجاب لهم من أراد الفرار من الذين راحوا يبحثون عن الذرائع من أجل التملص من"ثقل"الجهاد والبدل والعطاء وقلوبهم تصرخ"كفى جهادا لقد تعبنا"لكنهم يقولونها بكلمات أخرى أقل فحشا وقبحا!!
والله أعلم بما يكتمون من الكفر والكيد للمسلمين وتربص الدوائر بهم ففي الآية الكريمة زيادة تحقيق لكفرهم ونفاقهم وببيان اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد .. فيبديها لعباده سبحانه على ما تقتضيه الحال، وتقوم به المصلحة.
ثم مضى القرآن الكريم يكشف بقية موقفهم في محاولة خلخلة الصفوف والنفوس: {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} ، فجمعوا بين التخلف عن الجهاد وما يحدثه هذا