وتجردوا له, وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق الذي جاء به رسول الله، وعلى أنهم هم قد استيقنوا هذا فلم يألوا جهدا في جهاد الباطل وطرده من حياة الناس, وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله - عز وجل - في دنيا الناس.
إن جلاء هذه الحقيقة الكبيرة تنشئ إنشاء ـ تصور المسلم للحياة والموت فليس الموت خاتمة المطاف ـ فثمة حياة بعد الموت، فـ {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} بل قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم أحياء عند ربهم في دار كرامته.
ولفظ: عند ربهم يقتضي علو درجتهم، وقربهم من الله فالعندية عندية شرف وعندية كرامة لا عندية مكان ومسافة. وقيل عندية علم وحكم. يرزقون من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم، روى مسلم في صحيحه: عن مسروق, قال: سألنا عبد الله عن هذه الاية فقال:
أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أرواحهم في جوف طير خضر, لها قناديل معلقة بالعرش, تسرح من الجنة حيث شاءت, ثم تأوي إلى تلك القناديل, فاطلع إليهم ربهم اطلاعا فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات, فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا, قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى, فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) ..
ومع هذا الحال: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه} مغتبطين بما أعطاهم من الثواب والكرامة والإحسان، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا {يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور .. وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على الجد في الجهد، والرغبة في نيل منازل الشهداء. {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ} يهنئ بعضهم بعضا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم، وفضله، وإحسانه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم.
فإذن .. ما الذي يبقى من خصائص الحياة غير محقق للشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؟
ما الذي يفصلهم عن إخوانهم {الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} ؟
ما الذي يجعل هذه النقلة موضع حسرة وفقدان ووحشة في نفس الذين {لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} ، وهي أولى أن تكون موضع غبطة ورضا وأنس , عن هذه الرحلة إلى جوار الله, مع هذا الاتصال بالأحياء والحياة!
وفقا لهذا المفهوم الجديد الذي أقامته هذه الآية ونظائرها من القرآن الكريم في قلوب المسلمين, سارت خطى المجاهدين الكرام في طلب الشهادة في سبيل الله، وكانت منها تلك النماذج الموقنة بوعد الله كأنها تراه عين اليقين .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ..
قال ابن القيم في ملخص قوله:"إن الله تعالى عزى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية وألطفها وأدعاها إلى الرضا بما قضاه لهم بقوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} "