هذه الآية الكريمة ـ إخواني ـ إرشاد من الله - عز وجل - لعباده المؤمنين، الذين ارتضوا أن يسلكوا سبيل رسول الله .. وسبيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهد وجهاد وبلاء وصبر.
قلت .. هؤلاء الذين سلكوا طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يجب أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فقدُ رئيس ولو عظم هذا الرئيس، أي ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما يكون ذاك إلا بتصحيح هذه المبادئ والمفاهيم، وأن تكون واضحة في نفوسهم.
ثم لابد أيضا من الأسباب ومن الأسباب أن يستعد المسلمون في كل أمر من أمور الدين بعدة رجال من أهل الكفاءة فيه، فإذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد في سبيله، بحسب الإمكان طبعا، ولا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، وإنما تعلقهم بالله، وأخوتهم في الله وتعاونهم من أجل نصرة دين الله - عز وجل -، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم ..
يجب أن تكون الأعمال والمصالح العامة جارية على نظام ثابت لا يزلزله فَقْد الرؤساء وفقد الإخوان ..
إن الأمة التي تقدر هذه الهداية -هداية القرآن الكريم- إلى هذه السنة من سنن الحياة، تقدرها حق قدرها تُعد لكل علم تحتاج إليه، ولكل عمل تقوم مصالحها به رجالًا كثيرين، تتسابق هممٌ إلى الاستعداد لكل شيء يمكن أن يصل إليه كسب البشر، وينال منه العامل بقدر همته وسعيه وتأييد الله - عز وجل - والتوفيق له، ولكن أين نحن معاشر المسلمين عمومًا، ومعاشر المجاهدين خصوصًا من هذه الهداية العظيمة؟
في هذه الآية إرشادٌ لنا ألا نجعل المصائب الشخصية دليلًا على كوْن مَن تصيبه المصيبة على باطل أو على حق، فإن من الجائز عقلًا والواقع فعلًا أن يُبتلى صاحب الحق بالمصائب، وأن يُبتلى صاحب الباطل بالنِّعم، كما أن عكس ذلك أيضًا جائز وواقع.
ثم أخبر الله - عز وجل - أن النفوس جميعها متعلقة بآجالها بإذن الله - عز وجل - وقضائه وقدره: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} وقال في آية أخرى: {إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} فالخوف والهلع والحرص والتخلف عن الجهاد في سبيل الله - عز وجل - لا يطيل أجلا، كما أن الشجاعة والثبات والإقدام والوفاء لا تقصر عمرا، مَادَامَ مَحْيَانَا وَمَمَاتُنَا بِيَدِ الله سبحانه وتعالى فَلَا مَحَلَّ لِلْجُبْنِ وَالْخَوْف، وَلَا عُذر فِي الوهن وَالضَّعفِ،
ثم أخبر الله - عز وجل - أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة بحسب ما تعلقت به إراداتهم، فقال سبحانه: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها}
قال علماء التفسير رحمهم الله:"الآية تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد فتركوا موقعهم الذي أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بلزومه."
وأن معناها: أن مَن قَصد بعمله حظ الدنيا -وهي الغنيمة- أعطاه الله سبحانه وتعالى من ثوابها، ومَن قصد الآخرة أعطاه الله - عز وجل - حظًا من ثوابها"."
والآية من فروع قول الله - عز وجل: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} فهو يقول: إن لنيل ثواب الدنيا سننًا، كما أن لنيل ثواب الآخرة سننًا، فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها، فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين هذه المرة؛ فلأنهم طلبوا بعملهم الدنيا، وأخذوا له أهبته، في الوقت الذي قصّر المسلمون في اتباع السنن وعصوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما فعل الرماة.
والوجه الآخر في الآية، أن الله سبحانه وتعالى يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدونه بعملكم هذا -أي بارتدادكم وانقلابكم على أعقابكم وترككم