فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 82

تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا

ثم وبّخهم الله - عز وجل - على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودّون لقاءه، فقال: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}

قال ابن عباس - رضي الله عنه:"ولمَّا أخبرهم الله على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في الشهادة فتمنوا قتالًا يستشهدون فيه فيلحقون إخوانهم، فأراهم الله سبحانه وتعالى يوم أحد وسبّبهُ لهم فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله - عز وجل - منهم، فأنزل الله سبحانه الآية: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} "

ومفهوم الآية دال على أن المرء قد يظن من نفسه ظنًا لكن حين ملاقاة الحقيقة يظهر له خلاف ذلك، فوجب على المرء أن يكون صريحًا مع نفسه ولا يغرها فيحملها ما لا تطيق، بل يأخذها بالجد والتدرج في مدارج العلم والعمل.

ومن الخطأ الفادح والفاضح إيهامها بالكمال في موضع النقص، وتمويه التخلف بالتقدم، وتغطية السيئ بالحسن، والتجارب -يا إخوة الإسلام- فضَّاحة"ومن كتم داءه قتله"كما يقال.

وفي سورة البقرة قصة طالوت مع بني إسرائيل، والعبرة الكلية التي تبرز في تلك القصة كلها، هي أن انتفاضة العقيدة في بني إسرائيل اعتراها أمام التجربة الواقعة نقص وضعف، وتخلى القوم عنها فوجًا بعد فوج في مراحل الطريق، فالحماسة الجماعية تخدع بمظهرها؛ لذلك يجب أن توضع على محك التجربة ليعلم كلٌ من نفسه الحقيقة.

وفي ثنايا هذه التجربة -تجربة طالوت مع بني إسرائيل- تكمن عبرة القيادة الصالحة والحازمة، وكلها واضحة في قيادة طالوت، فلم يتخلَّ ولم يخذل القضية، وقد تضاءل جنوده تجربة بعد تجربة، ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة، فخاض بها المعركة ثقة منه بقوة الله - عز وجل -، وبصلابة الإيمان الخالص، ووعد الله -تبارك وتعالى- لعباده المؤمنين بالنصر، وبثبات تلك الحفنة القليلة من المؤمنين حُقق لبني إسرائيل النصر والعزّ والتمكين.

الطريق إلى النصر وإلى الجنة تجربة واقعية وامتحان عملي، إنما هو الجهاد وملاقاة البلاء، ثم الصبر على البلاء والصبر على تكاليف الجهاد، والصبر على الصبر في سبيل الله - عز وجل - وعلى معاناة البلاء بعد البلاء بعد البلاء {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} أي: ليعلم الله - عز وجل - ذلك منا واقعًا لا مجرد أماني.

فلا يكفي أن تجاهد، إنما هو الصبر على تكاليف الدعوة وتكاليف الجهاد. التكاليف المستمرة في كل المراحل والمتنوعة التي لا تقف عند القتال في الميدان، فربما كان القتال في الميدان أخف تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر ويُختبر بها الإيمان.

فهناك المعاناة اليومية التي لا تنتهي، معاناة الاستقامة على حقيقة الإسلام وحقيقة الإيمان والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك حين النصر وحين الهزيمة، وحين اليسر وحين العسر، والصبر في أثناء ذلك على الضعف الإنساني في النفس وفي رفقاء الطريق ممن يتعامل معهم المؤمن في حياته اليومية، والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش، ويبدو كالمنتصر الذي يعسر أن يهزم، وتستعلي الجماعة المسلمة على الباطل بما عندها من الحق المجرد! والصبر على طول الطريق وبعد الشقة وكثرة العقبات، والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفس في زحمة الجهد والكرب والنضال، الصبر على أشياء كثيرة وكثيرة جدًا ليس الجهاد في الميدان إلا واحدًا منها.

فالطريق المحفوف بالمكاره، طريق الجنة التي لا تنال بالأماني وبكلمات اللسان!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت