فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 82

وفي مقابل هذه الآية نذكر قول الله - عز وجل - في سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}

إن سؤالهم: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ليصور مدى المحنة التي تزلزل القلوب، فينبعث من هذا السؤال المكروب: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}

وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة، عندئذ تتم كلمة الله ويجيء النصر من الله سبحانه: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}

نصر يدّخره الله - عز وجل - لمن يستحقونه من الثابتين الصابرين، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية على البأساء والضراء، الذين يصمدون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله وحينما يشاء الله وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها، فهم يتطلعون فحسب إلى الله وحده، ونصر الله سبحانه وحده، لا إلى أي حل آخر من الحلول، حلول أنصاف الطريق، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله - عز وجل -، ولا نصر إلا من عند الله سبحانه.

بهذه الحقيقة يدخل المؤمنون الجنة بعد الجهاد والامتحان والصبر والثبات والتجرد لله - عز وجل - وإغفال كل من سواه.

لقد كان الله سبحانه وتعالى قادرًا على أن يمنح النصر لنبيه ولدعوته ولدينه منذ اللحظة الأولى، وبلا كد من المؤمنين ولا عناء، ولكن المسألة ليست هي النصر! إنما هي تربية الجماعة المسلمة على الحقيقة، حقيقة الدين والاستقامة، تربية هذه الجماعة من أجل أن تتسلم أمانة قيادة البشرية وتعبيد البشر لله تبارك وتعالى.

قيادة راشدة تقتضي استعدادًا عاليًا من القادة، وأول ما تقتضيه صلابة في الحق، وثباتًا على الحق وصبرًا على المعاناة، ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس البشرية، وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف ووسائل العلاج، ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدة سواء بسواء، وصبر على الشدة بعد الرخاء.

كان هذا كله طرفًا هامًا من رصيد معركة أحد، رصيد مدخر لكل جماعة مسلمة ولكل جيل من أجيال المسلمين، يختار أن يسير في طريق الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

إن الأعمال العظيمة -يا إخوة الإسلام- لا تثبت على الفكرة الطارئة والخطرة العارضة، بل لا تتم في الخارج إلا بعد استقرارها في الأذهان والقلوب، ولا بد لذلك من زمن يكفي لنمو هذه الأفكار نموًا يساعدها على النهوض ويساعدها أيضًا على الاستمرار.

إننا اليوم جنود حق يراد له أن يطمس هذا الحق، والجندي في غاية معناه حارس مجد، وحافظ أمانة، وقيّم أمة؛ لذلك كان من واجبات الجندي الصبر على المكاره، والثبات في الشدائد والأزمات، فإذا استرسل الجندي في الجزع والشكوى أو خانه الصبر فلاذ بالضجر أخطأ النصر وضاع الثغر.

نمضي في هذا الطريق؛ لنحقق غايات مقدّسة فيها يحاربنا باغٍ وغدّار، سلاحنا الحق، والإيمان قائدنا، وجندنا الصبر لا يعروه إدبار، فالجنة - يا إخوة الإسلام- إنما تنال بالجهاد، والتمكين للدين لا بد له من جهاد، والجهاد لا بد له من صبر، وبالجهاد والصبر ينال المسلمون النصر، وينالون من وراء ذلك رضا الله سبحانه وتعالى.

ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، آمين آمين.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت