فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 82

وفي ضمن ذلك، الحث لهم على القيام بما شرطه الله - عز وجل - عليهم من الإيمان والصلاح ونصر الحق، واتخاذه وحده وليا وناصرا من دون كل أحد من الناس، ومن كان الله - عز وجل - مولاه، فما حاجته بولاية أحد من خلقه? ومن كان الله ناصره فما حاجته أيضا بنصرة أحد من العبيد.

ومن ولاية الله تبارك وتعالى ونصره عباده المؤمنين، وعده أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم في استئصال شأفة المسلمين، وهذا وعد قائم في كل معركة يلتقي فيها الكفر مع الإيمان ..

قد يقول قائل: ما بالنا نجد الرعب كثيرا ما يقع في قلوب المسلمين، ولا يقع في قلوب الكافرين؟ والجواب: أن الذين يسمون أنفسهم مسلمين، قد يكونون على غير ما كان عليه أولئك الذين خوطبوا بهذا الوعد من قوة اليقين والإذعان والثبات والصبر، وبذل النفس والمال في سبيل الله - عز وجل -، وتمني الموت في الدفاع عن الحق، فمعنى المؤمنين غير متحقق فيهم، وإنما رعب المشركين مرتبط بإيمان المؤمنين وما يكون له من الآثار.

فحال المسلمين اليوم المرعوبين من الكفار، حال المسلمين اليوم، أكثرهم قد انصرفوا عن الاجتماع على ما جاء به الإسلام من الحق، وما كان عليه سلفهم من الإيمان والصفات والأعمال، فالقرآن باق على وعده، ولكن .. هات لنا المؤمنين الذين ينطق إيمانهم على آياته ولك من إنجاز وعد الله - عز وجل - في هذه الآية وغيرها ما يشاء الله سبحانه ...

فالمهم إخواني، أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين، حقيقة الشعور بولاية الله - عز وجل - وحده, والثقة المطلقة بهذه الولاية .. ووعد الله أصدق مما تراه عيون البشر وتقدره عقول البشر!.

وهنا يردهم سياق القرآن إلى مصداق وعد الله - عز وجل - في غزوة أحد، غزوة قريبة من ذاكرتهم: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم} إلى آخر الآية.

فالتعبير القرآني هنا يرسم مشهدا كاملا لمسرح المعركة في النفس وعلى الأرض ..

{ولقد صدقكم الله وعده} بالنصر، فنصركم عليهم، حتى ولوكم أكتافهم، وأدبارهم، وطفقتم تقتلوهم إلى متى؟، حتى، أي: إلى أن صرتم أنتم سببا لأنفسكم، وعونا لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل والضعف والخور، {وتنازعتم في الأمر} : أي أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف، فاختلفتم، واختلفتم في أمر رسول - صلى الله عليه وسلم -، فمن قائل نقيم في مركزنا الذي جعلنا فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن قائل: ما مقامنا فيه وقد انهزم العدو، ولم يبق محذور، فعصيتم رسول - صلى الله عليه وسلم -، وتركتم أمره من بعد ما أراكم الله - عز وجل - ما تحبون من النصر على الأعداء؛

فالواجب في هذه الحال خصوصا، وفي غيرها عموما، امتثال أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .. فالقرآن في الآية يعرفهم سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم من الجرح والقتل والهزيمة، إنما هو بشؤم ذلك، وليس أن الله - عز وجل - أخلف وعده .. فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعاقبة تنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذرا ويقظة وتحرزا من أسباب الخذلان ..

معركة العقيدة معشر المسلمين، ليست معركة ككل المعارك .. إنها معركة في الميدان ومعركة أيضا في الضمير .. معركة العبودية الشاملة لله تبارك وتعالى .. ولا انتصار في معركة الميدان، دون الانتصار في معركة الضمير والنفس. معركة لله - عز وجل - وحده , فلا ينصر الله سبحانه وتعالى فيها إلا من خلصت نفوسهم لله تبارك وتعالى.

ثم قال الله سبحانه {منكم من يريد الدنيا} وهم الذين أوجب لهم إرادة الدنيا ما أوجب من الهزيمة وتعجل قطف تمرة الغنيمة {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الذين لزموا أمر رسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت