تربية الجماعة المسلمة حتى أتت بالعجب العجاب، فقد كان الرجل من أفناء الناس من المسلمين يقع في يده الثمين من الغنيمة لا يراه أحد فيأتي به إلى أميره لا تحدثه نفسه بشيء منه خشية أن ينطبق عليه النص القرآني المرهوب، وخشية أن يلق نبيه على الصورة المفزعة المخجلة التي حذره أن يلقاه عليها يوم القيامة، فقد كان المسلم يعيش هذه الحقيقة فعلا ويستصحب معية الله - عز وجل - حقا.
وكانت الآخرة في حسه واقعا، وكان يرى صورته تلك أمام نبيه وأمام ربه، فيتوقاها ويفزع أن يكون فيها، وكان هذا هو سر تقواه وسر وخشيته ..
وقد حملت الغنائم إلى عمر - رضي الله عنه - بعد القادسية، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقومان بثمن، فنظر - رضي الله عنه - إلى ما أداه الجند في غبطة وقال:"إن قوما أدوا هذا لأميرهم لأمناء". . وهكذا ربى الإسلام المسلمين تلك التربية العجيبة التي تكاد أخبارها تحسب في الأساطير.
ثم قال الله سبحانه: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}
إنها النقلة التي تصغر في ظلها الغنائم، ويصغر في ظلها التفكير في هذه الأعراض الزائلة. يخبر الله أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه، والعمل على ما يرضيه، كمن ليس كذلك، ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه، هذان لا يستويان في حكم الله - عز وجل -، وحكمة الله، وفي فطر عباد الله - عز وجل - المستقيمة. {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون}
هذه درجة وهذه درجة. . وشتان شتان ما بين الدرجتين: ف {هم درجات عند الله} وقوله {عند الله} تشريف لمنازلهم، أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم، وكل ينال درجته باستحقاق، فلا ظلم ولا إجحاف، ولا محاباة ولا جزاف!
والمعنى أن الناس يتفاوتون في الجزاء عند الله - عز وجل - كما يتفاوتون هنا في العرفان والفضائل، وفي الجهل والرذائل، وما يترتب على ذلك أو يترتب عليه ذلك من الأعمال الحسنة والقبيحة.
فالمتبعون لرضوان الله سبحانه يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله سبحانه وتعالى من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله سبحانه يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، وكل على حسب عمله، والله تعالى بصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطوها.
إخواني، حسبنا هذه الآيات مبينة لما قلناه من كون درجات الجزاء في الآخرة على حسب درجات الارتقاء، الارتقاء بالعلم، والارتقاء بالعمل في الدنيا، وأن هذه الدرجات لا يمكن أن يعلمها إلا من أحاط بكل شيء علما وهو الله - عز وجل -، فلا يخف عليه أثر ما من آثار الأعمال في النفس، ولا عاطفة من عواطف الإيمان في القلب، ولا حقيقة من حقائق العلم في العقل، ولا يعزب عنه شيء من تفاوت الناس في ذلك، فدرجات ارتقاء الأرواح لها في علمه تعالى نظام دقيق، وإن سننه تعالى في نفوس الناس لا تقل عن سننه في غيرها نظاما واطرادا.
والله بصير بما يعملون .. لا يغيب عنه شيء من أعمالهم، وما لها من التأثير في تزكية نفوسهم التي يترتب عليها الفلاح في ارتقاء الدرجات وفي تدنيسها التي تترتب عليها الخيبة في هبوط الدركات.
وبعد أن نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين من أن يظنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظن سوء، فيظن أنه