ما فازوا به، رضي الله تعالى عنهم.
ينظر الإنسان في هذه الصورة وفي هذا الموقف، فيحس كأن كيان الجماعة كله قد تبدل ما بين يوم وليلة، نضجت وتناسقت، واطمأنت إلى الأرض التي تقف عليها، وانجلى الغبش عن تصورها، وأخذت الأمر جدا كله، وخلصت من تلك الأرجحة والقلقلة، التي حدثت بالأمس فقط في التصورات والنفوس والصفوف. فما كانت سوى ليلة واحدة هي التي تفرق بين موقف الجماعة اليوم وموقفها بالأمس. والفارق هائل والمسافة بعيدة.
لقد فعلت التجربة المريرة فعلها في النفوس، وقد هزتها الحادثة هزا عنيفا. فأطار الغبش، وأيقظ القلوب، وثبت الأقدام، وملأ النفوس بالعزم والتصميم.
نعم. وكان فضل الله عظيما في الابتلاء المرير ..
ثم قال الله سبحانه،: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي: إن ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، داع من دعاة الشيطان، يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم، أو ضعف. والشيطان ـ شيطان الجن والإنس ـ هو الذي يضخم من شأن أوليائه المشركين، ويلبسهم لباس القوة والقدرة، ويوقع في القلوب أنهم ذو حول وطول، وأنهم يملكون النفع والضر، ذلك ليقضي بهم أغراضه، وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد، وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار، ولا يفكر أحد في الانقضاض عليهم، ودفعهم عن الشر والفساد.
والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل، وأن يتضخم الشر، وأن يتبدى قويا قادرا قاهرا بطاشا جبارا، لا تقف في وجهه معارضة، ولا يصمد له مدافع، ولا يغلبه من المعارضين غالب.
الشيطان صاحب مصلحة في أن يبدو الأمر كذلك، ومراد ومصلحة شيطان الجن هي نفس مراد ومصلحة شيطان الإنس.
فتحت ستار الخوف والرهبة، وفي ظل الإرهاب والبطش، يفعل أولياؤه في الأرض ما يقر عينه! يقلبون المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وينشرون الفساد والباطل والضلال، ويخفتون صوت الحق والرشد والعدل، ويميّعون القيم والمبادئ، ويقيمون أنفسهم آلهة في الأرض تحمي الشر وتقتل الخير،.دون أن يجرؤ أحد على مناهضتهم والوقوف في وجههم، ومطاردتهم وطردهم من مقام القيادة. بل دون أن يجرؤ أحد على تزييف الباطل الذي يروجون له، وجلاء الحق الذي يطمسونه.
والشيطان ماكر خادع غادر وسواس خناس، يختفي وراء أوليائه، وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتاطون لوسوسته. ومن هنا يكشفه الله سبحانه وتعالى، ويوقفه عاريا لا يستره ثوب من كيده ومكره.
ويعرف المؤمنين الحقيقة، حقيقة مكره ووسوسته، ليكونوا منها على حذر، فلا يرهبوا أولياء الشيطان ولا يخافوهم، فهم وهو أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه، ويستند إلى قوته ويهتدي بهدي القرآن.
إن القوة الوحيدة التي تخشى أو تخشى و تخاف، هي القوة التي تملك النفع والضر. هي قوة الله، وهي القوة التي يخشاها المؤمنون بالله - عز وجل -، وهم حين يخشونها وحدها أقوى الأقوياء، فلا تقف لهم قوة في الأرض، لا قوة الشيطان ولا قوة أولياء الشيطان.
ولهذا قال الله - عز وجل - {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: لا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله - عز وجل -، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله سبحانه الذي