ينصر أولياءه الخائفين منه والمستجيبين لدعوته.
وفي هذه الآية الكريمة وجوب الخوف من الله - عز وجل - وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله سبحانه، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله - عز وجل - وحمل على طاعة الله .. والتنافس في الخيرات ..
إن قول الله تعالى {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} يفيد وجوب توثيق الإيمان بالله في القلب قبل كل شيء، لأن تلك الخواطر، والهواجس التي تحدث الخوف من أولياء الشيطان لا يمحوها من لوح القلب إلا الإيمان الصحيح الثابت، الإيمان الذي يصل العبد بربه حال النصر وحال الهزيمة، وحين يعلم الله صدق عبده يوفقه لاستثمار النصر، والاستفادة من الهزيمة، ولئن خذله نسأل الله العافية يغره النصر وتقنطه الهزيمة.
ولعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاء ألا يكون آخر ما تنضم عليه جوانح المسلمين ومشاعرهم، وشعور الهزيمة، وآلام القرح، فاستنهضهم لمتابعة قريش وتعقبها، كي يقر في أخلادهم إنها تجربة وابتلاء، وليست نهاية المطاف. وأنهم بعد ذلك أقوياء، وأن خصومهم المنتصرين ظاهرا ضعفاء، وإنما هي واحدة وتمضي، ولهم الكرة عليهم، متى نفضوا عنهم الضعف والفشل، واستجابوا لدعوة الله والرسول - صلى الله عليه وسلم -، والتزموا السنن الشرعية والكونية في العمل.
إن المشكلة ليست في الهزيمة .. الإسلام ليس كله انتصارات .. والهزيمة يوم من أيام الله - عز وجل - بما كسبت أيدينا .. والحرب سجال .. والأيام دول ..
إنما المشكلة في قابلية الهزيمة واستمرائها .. قابلية، تحول دون مراجعة الذات ومحاولة النهوض .. قابلية تريك وكأن الأمر انتهى والسلام على الجهاد والإسلام .. قابلية تكون سببا لخذلان الله لنا من أن يوفقنا لتلك المراجعة والتوبة .. وقد سبق في خبر الربيين أن أول ما انتبهوا إليه ذنوبهم وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
ولعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاء في الجانب الآخر ألا تمضي قريش، وفي جوانحها ومشاعرها زهو النصر ومذاقاته، فمضى خلف قريش بالبقية ممن حضروا المعركة أمس ليشعر قريشا أنها لم تنل من المسلمين منالا، وأنه بقي لها منهم من يتعقبها ويكر عليها، وقد تحققت هذه وتلك كما ذكرت روايات السيرة.
أيضا .. لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاء أن يشعر المسلمين، وأن يشعر الدنيا كلها من ورائهم، بقيام هذه الحقيقة الجديدة التي وجدت في هذه الأرض .. حقيقة أن هناك عقيدة هي كل شيء في نفوس أصحابها، ليس لهم من أرب في الدنيا غيرها، وليس لهم من غاية في حياتهم سواها. عقيدة يعيشون لها وحدها، فلا يبقى لهم في أنفسهم شيء بعدها، ولا يستبقون هم لأنفسهم بقية لا يبذلونها لها، ولا يقدمونها فداها .. عقيدة كتب الله لها عنده في الغيب دورها في تغيير موازين الأرض ..
لقد كان هذا أمرا جديدا في هذه الأرض في ذلك الحين. ولم يكن بد أن تشعر الأرض كلها ـ بعد أن يشعر المؤمنين ـ بقيام هذا الأمر الجديد، وبوجود هذه الحقيقة الكبيرة .. التي ينشئها الله ويرعاها ..
وهكذا تتضافر مثل هذه الصور الرفيعة على إعلان ميلاد تلك الحقيقة الكبيرة، في تلك النفوس الكبيرة، النفوس التي لا تعرف إلا الله وكيلا، وترضى به وحده وتكتفي، وتزداد إيمانا به في ساعة الشدة، وتقول في مواجهة تخويف الناس لهم بالناس حسبنا الله ونعم الوكيل.
إذن .. فليزن كل مؤمن نفسه بهذه الآية ويقارن بين عمله، وعمل الصحابة الكرام وبين