فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 82

خاطره من شدة حرصه - صلى الله عليه وسلم - على الناس كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق .. ويحزنه حال المنافقين وهم يتردون في حمأة النفاق يظنون بالله ورسوله ظن السوء ..

وقد روي القول بتفسير {الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} بالمنافقين عن مجاهد، وكذا قال في {الذين اشتروا الكفر بالإيمان} في الآية التالية: وقيل هم المرتدون. وروي عن الحسن: أن الذين يسارعون في الكفر هم الكفار.

ومعنى {يسارعون في الكفر} أي يتوغلون فيه ويعجلون إلى إظهاره فالمسارعة في الكفر هي المسارعة في نصرته، والاهتمام بشؤونه، حين يبدو لهم بعد انتصاره في وقعة أنه لن يهزم أبدا .. والإيجاف في مقاومة المؤمنين حين يبدو لهم أن الحق بعد انهزامه في وقعة لن ينتصر أبدا .. وما كل كافر يسارع في الكفر.

ويخبره سبحانه وتعالى أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان، ورغبوا فيه رغبة من بذل ما يحب من المال، في شراء ما يحب من السلع لن يضروا الله شيئا بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم .. ونفي لن يضروا الله مراد به نفي أن يعطلوا ما أراده سبحانه إذ قد كان الله وعد الرسول بإظهار دينه على الدين كله وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك باطل ولن يضر الله عز جل شيئا .. فنهى الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة وبين له أنهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله - عز وجل - تذكيرا له وللمؤمنين بأن وعده متم وأن الله سيتم نوره ولو كره الكافرون ..

وهؤلاء العباد المهازيل لا يبلغون أن يضروا الله شيئا. . والأمر في هذا لا يحتاج إلى بيان. إنما يريد الله سبحانه أن يجعل قضية العقيدة قضيته هو سبحانه، وأن يجعل المعركة مع المشركين معركته هو أيضا. ويريد أن يرفع عبء هذه العقيدة وعبء هذه المعركة عن عاتق الرسول وعاتق المسلمين جملة. . فالذين يسارعون في الكفر إنما يحاربون الله وهم أضعف من أن يضروا الله - عز وجل - شيئا. . وهم إذن لن يضروا دعوته. ولن يضر دينه ولن يضروا حملة هذه الدعوة. مهما سارعوا في الكفر ومهما أصابوا أولياء الله بالأذى .. ويبقى مجرد أذى والعاقبة للمتقين ..

يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة. .

يريد الله لهم أن يستنفدوا رصيدهم كله، وأن يحملوا وزرهم كله وأن يستحقوا عذابهم كله وأن يمضوا مسارعين في الكفر إلى نهاية الطريق! وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان ولقد كان الإيمان في متناول أيديهم.، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله - عز وجل - غني عنهم، وقد قيض الله لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، كما قال الله - عز وجل: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} ..

وفي هذه الآية يصل السياق إلى العقدة التي تحيك في بعض الصدور والشبهة التي تجول في بعض القلوب ... هذه الشبهة تصول وتجول في قلوب وهي ترى أعداء الله وأعداء الحق متروكين لا يأخذهم العذاب ممتعين في ظاهر الأمر بالقوة والسلطة والمال والجاه! مما يوقع الفتنة في قلوبهم وفي قلوب الناس من حولهم، ومما يجعل ضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يحسبون أن الله وحاشاه سبحانه يرضى عن الباطل والشر والجحود والطغيان فيملي له ويرخي له العنان! أو يحسبون أن الله سبحانه لا يتدخل في المعركة بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت