الحق والباطل فيدع للباطل أن يحطم الحق ولا يتدخل لنصرة الحق! أو يحسبون أن هذا الباطل حق وإلا فلم تركه الله - عز وجل - ينمو ويكبر ويغلب؟! أو يحسبون أن من شأن الباطل أن يغلب الحق في هذه الأرض وأن ليس من شأن الحق أن ينتصر! ثم. . يدع المبطلين الظلمة الطغاة المفسدين يلجون في عتوهم ويسارعون في كفرهم ويلجون في طغيانهم ويظنون أن الأمر قد استقام لهم وأن ليس هنالك من قوة تقوى على الوقوف في وجههم!!!
وهذا كله وهم باطل وظن بالله غير الحق فالأمر ليس كذلك. وها هو ذا الله سبحانه وتعالى يحذر الذين كفروا أن يظنوا هذا الظن فيقول {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}
أي: لا يظن الذين كفروا بربهم ونابذوا دينه، وحاربوا رسوله أن تركنا إياهم في هذه الدنيا، أوفي هذه الموقعة، وعدم استئصالنا لهم، وإملاءنا لهم خير لأنفسهم، ومحبة منا لهم.
كلا، ليس الأمر كما زعموا، وإنما ذلك لشر يريده الله - عز وجل - بهم، وزيادة عذاب وعقوبة إلى عذابهم، ولهذا قال الله - عز وجل - {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} والإملاء: هو الإمهال في الحياة والمراد به هنا تأخير حياتهم وعدم استئصالهم في الحرب حيث فرحوا بالنصر يوم أحد .. ويجوز أن يراد بالإملاء التخلية بينهم وبين أعمالهم في كيد المسلمين وحربهم .. وإنما أداة حصر أي: ما نملي لهم إلا ليزدادوا إثما .. واللام في قوله تعالى: {ليزدادوا إثما} هي التي يسمونها لام العاقبة، لام العاقبة والصيرورة، أي لتكون عاقبتهم بحسب السنة العامة في الخلق ازدياد الإثم فالله تعالى يملي للظالم، حتى يزداد طغيانه، ويترادف كفرانه، حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظنوا أن يفوتوا الكبير المتعال. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وكأن الله تعالى قال: إن هذا الإملاء للكافرين ليس عناية من الله بهم. وإنما هو جري على سنته في الخلق، وهي أن يكون ما يصيب الإنسان من خير وشر ثمرة عمله. ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يكون الإملاء للكافر علة غروره، وسببا لاسترساله في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم الذي يترتب عليه العذاب المهين.
ثم قال الله سبحانه: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}
ما كان في حكمة الله أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط وعدم التميز فلا بد أن يعقد سببا من المحنة يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر ...
وكان المنافقون يكتمون نفاقهم لما رأوا أمر المؤمنين في إقبال ورأوا انتصارهم يوم بدر فأراد الله سبحانه أن يفضحهم ويظهر نفاقهم بأن أصاب المؤمنين بقرح الهزيمة يوم أحد حتى أظهر المنافقون فرحهم بنصرة المشركين وسجل الله عليهم نفاقهم باديا للعيان .. فميز الله بين الفريقين قال مجاهد رحمه الله:"ميز بينهم يوم أحد"وقال قتادة:"ميّز بينهم بالجهاد والهجرة".. إذ التمايز لا يكون إلا بالشدائد .. تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية، لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف أنهم عليها وليسوا لها، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تربهم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها. هذا بعض ما تكشفه الشدة للجماعة من ضرر الالتباس، وأما الأفراد فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم، فإن المؤمن الصادق قد يغتر بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد، والأخلاق؛ لأن هذا مما يخفى مكانه