على صاحبه حتى تظهره الشدائد.
فلما كان هذا اللبس ضارا بالأفراد والجماعات، ولم يكن من شأن الله سبحانه ولا من حكمته أن يستبقي في عباده ما يضرهم مضت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب، فتظهر الخفايا، وتبلى السرائر حتى يرتفع الالتباس، ويتضح المنهج السوي للناس.
ومن لطائف الآية الكريمة التعبير عن المؤمن والمنافق بالطيب والخبيث تسجيل على كل منهما، بما يليق به، وإشعار بعلة الحكم.
إذن {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب .. } أي: حتى يخرج المؤمن من الكافر .. فيقطع النص القرآني بأنه ليس من شأن الله سبحانه وليس من مقتضى ألوهيته وليس من فعل سنته أن يدع الصف المسلم مختلطا غير مميز .. يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان ومظهر الإسلام بينما قلوبهم خاوية من بشاشة الإيمان ومن روح الإسلام. فقد أخرج الله الأمة المسلمة لتؤدي دورا كونيا كبيرا ولتحمل منهجا إلهيا عظيما ولتنشئ في الأرض واقعا فريدا ونظاما جديدا .. وهذا الدور الكبير يقتضي التجرد والصفاء والتميز والتماسك ويقتضي ألا يكون في النفس والصف خلل ولا في بنائه دخل. . وبتعبير المختصر يقتضي أن تكون طبيعة هذه الأمة من العظمة بحيث تسامي عظمة الدور الذي قدره الله لها في هذه الأرض، وتسامي المكانة التي أعدها الله لها في الآخرة. .
وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة وأن تسلط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر. . ومن ثم كان شأن الله سبحانه أن يميز الخبيث من الطيب ولم يكن شأنه سبحانه أن يذر المؤمنين على ما كانوا عليه قبل هذه الرجة العظيمة، وما كان الله ليطلعكم على الغيب. أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك ..
فلم يكن في حكمته سبحانه أيضا أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده، فاقتضت حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب، من أنواع الابتلاء والامتحان فجعل الله أسبابا من شأنها أن تستنفر أعداءكم فيظهروا لكم العداوة فتطلعوا عليهم. {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} . .
فانقسم الناس بحسب اتباعهم للرسل قسمين: مطيعين وعاصين، ومؤمنين ومنافقين، مسلمين وكافرين، ليرتب الله سبحانه على ذلك الثواب والعقاب، وليظهر عدله وفضله، وحكمته لخلقه.
وعن طريق الرسالة وعن طريق الإيمان بها أو الكفر وعن طريق جهاد الرسل في تحقيق مقتضى الرسالة وعن طريق الابتلاء لأصحابهم في طريق الجهاد. . عن طريق هذا كله يتم شأن الله سبحانه وتتحقق سنته ويميز الله الخبيث من الطيب ويمحص القلوب ويطهر النفوس والصفوف. . ويكون من قدر الله - عز وجل - ما يكون. .
وفي قوله: {يجتبي من رسله .. } إيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية، لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصب جليل، تقاصرت عنه همم الأمم، واصطفاه على الجماهير لإرشادهم، وتعميم الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدلالة على أن شأنه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب أمر متين، له أصل أصيل، جار على سنة الله - عز وجل - المسلوكة فيما بين الرسل عليهم السلام.
{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}