فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 82

القوة".انتهى قوله رحمه الله"

إنما يتحقق هذا الدين بأن تحمله مجموعة من البشر تؤمن به إيمانا كاملا، وتستقيم عليه ظاهرا وباطنا - بقدر طاقتها - .. وتستفرغ جهدها وهي تجاهد لإقامته ..

ثم تنتصر هذه المجموعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة .. وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة. بقدر ما تبذل من الجهد، وبقدر ما تتخذ من الأسباب، وبقدر ما توفق في اختيار هذه الأسباب ..

وتتعرض في هذه المجاهدة للابتلاء والصبر على الجهد، والصبر على الأذى والصبر على الهزيمة، والصبر على النصر أيضا - فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة ..

كي يتعرف كل فرد فيها على حقيقة طاقته، وعلى حقيقة غايته، ثم تتعرف هي على حقيقة اللبنات التي تتألف منها .. ومدى احتمال كل لبنة، ومدى تماسك هذه اللبنات في ساعة الصدام.

كي يتمحص القلب ويتميز الصف .. وتستقيم الجماعة على الطريق، وتمضي فيه راشدة صاعدة، متوكلة على الله.

ومما يجب أن يعلم أن انتصار الباطل في جولة لا يجعله حقا .. وانهزام الحق في جولة لا يجعله باطلا .. الهزيمة لا تعني القدح في الدين وخيار الجهاد .. الجهاد حق وفرض عين وقتلانا شهداء وإن هزمنا .. وهزيمة جيش الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد لا تعني بحال أن جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - لقريش كان خطأ .. الخطأ لم يكن في الخروج .. ولا في خطة المعركة .. ولكن في التزامها .. وفي خذلان المنافقين للجيش .. وآفة النفاق هي الأخطر على المعركة في زمنها المفتوح وساحتها الواسعة لذلك تناولها القرآن أكثر من خطأ الرماة ..

ومادام الأمر كذلك فالحذر كل الحذر من استبدال الجهاد بالركون والهوان .. والحذر أن تصبح هزيمة ساعة هزيمة عمر .. وتولد قابلية الهزيمة ..

حاسب نفسك .. وصحح الخطأ .. وواصل جهدك وجهادك .. وأنت بين إحدى الحسنيين ..

مما ظهر في غزوة أحد ظاهرة النفاق والمنافقين.

النفاق ظاهرة اجتماعية لا مفر منها .. فكما في الخلق من له جرأة على الإيمان والصراحة فيه .. وفي الخلق من له جرأة على الكفر والموت في سبيله .. ثمة منزلة بين المنزلتين .. نفوس جبانة ضعيفة .. طبعها جبنها على إتقان فن المراوغة والمخادعة .. وأيام الله كاشفة فاضحة .. نسأل الله السلامة.

وإذا لم يسلم عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ينزل من تلك اللوثات على طول الخط .. إذ آثار النفاق والمنافقين كانت حتى في غزوة تبوك .. فكيف بما بعده ..

في حركة البشر ترى نفوسا هزيلة تصرخ تارة وتهمس تارات: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} .. {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} .. {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَ} .. {ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي} .. ترى نفوسا تتسلل لواذا وجهارا في شعاب الباطل والنفاق .. وانظر وراءك وحولك كم من عبد الله بن أبي جديد ودور جديد .. ولا يزال الشيطان يستنسخ من عبد الله بن أبي نسخا مسخا يستعملهم في طاعته .. ويسقط الله أقواما بعدله .. ويثبت أقواما بفضله .. لينجز لهم وعده المخزون ليوم فتح مبين .. يوم يفرح فيه المؤمنون بنصر الله .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ..

وبتقدير الحدث وتعقيب القرآن عليه سقطت الأقنعة عن المنافقين في المدينة، وانفضحوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت