فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 82

وللشيطان فنون في تسريب الجهالة والغرور .. ورحم الله عبدا عرف قدر نفسه.

موقعة أحد كحدث في مجوعة من الأحداث السياسية والعسكرية في سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - دليل عملي على أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بتلك البساطة التي يظنها البعض .. والتي قد تكون هي مجرد الانتماء للإسلام أو إعلان الجهاد في سبيل الله تعالى ..

فالنصر وإن كان ابتداء وانتهاء بيد الله - عز وجل - .. مثله مثل الرزق، والأجل والعمل .. {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} ..

فإن له نواميس ثابتة عند الله - عز وجل - نحن بحاجة إلى فقهها .. إخلاص في الباطن واستقامة في الظاهر .. ومن الاستقامة الأخذ بالسنن الكونية ..

نقص العدد والعدة، ليس هو سبب الهزيمة {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .. نعم يجب الإعداد المادي والمعنوي {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} ..

ومن الإعداد وحدة الصف ووحدة كلمته .. فهما أساس في النصر، وتفريق الكلمة والاختلاف في الرأي المفضي للتنازع دمار وهزيمة .. طاعة أمر الله تعالى ورسوله وعدم الخروج عليها أساس في النصر .. والمعصية تقود إلى الهزيمة .. حب الدنيا والتهافت عليها يفقد عون الله ونصره ..

الثبات عند المواجهة، والصبر عند اللقاء من عوامل النصر المهمة .. ولا شيء يعين على الثبات والصبر عند اللقاء، مثل ذكر الله كثيرا والدعاء، وحسن التوكل على الله، والتبرؤ من الحول والقوة، وعدم الاعتماد على العدد أو العدة أو الذات ..

الانضباط العسكري يعتبر أيضا روح الجندية والسبب المباشر المؤدي لكل انتصار في كل معركة .. فلا يمكننا أن نتصور عملا عسكريا أو نصرا ميدانيا دون انضباط دقيق وواع .. وعلاقات منظمة مبنية على شعور كل فرد في الجيش بالمسؤولية.

مخالفة الرماة في ترك مواقعهم وعدم التزامهم بتعليمات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمره إلى اللحظة الأخيرة، وإخلائهم للثغر الذي عينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه، والإسراع لجمع الغنائم خطأ كبير كشف للعدو ظهورهم مما أدى إلى الإطباق عليهم من كل الجهات.

وللشيخ ابن باديس رحمه الله في قصة سليمان عليه السلام مع الهدهد فائدة، قال:"كان هذا الهدهد من جنود سليمان التي حشرت له، وقد كان في مكانه الذي عين له وأقيم فيه، فلما فارق وترك الفرجة في صفه وأوقع الخلل في جنسه استحق العقاب الصارم الذي لا هوادة فيه."

وهذا أصل في صرامة أحكام الجندية وشدتها، لعظم المسؤولية التي تحملتها وتوقف سلامة الجميع على قيامها بها، وعظم الخطر الذي يعم الجميع إذا أخلت بها.

كل واحد في قومه أو في جماعته هو المسئول عنهم من ناحيته، مما يقوم به من عمل حسب كفاءته واستطاعته، فعليه أن يحفظ مركزه ولا يدع الخطر يدخل، ولا الخلل يقع من جهته، فإنه إذا قصر في ذلك وترك مكانه فتح ثغرة الفساد على قومه وجماعته، وأوجد السبيل لتسرب الهلاك إليهم. وزوال حجر صغير من السد المقام لصد السيل يفضي إلى خراب السد بتمامه.

فإخلال أي أحد بمركزه- ولو كان أصغر المراكز- مؤد إلى الضرر العام.

وثبات كل واحد في مركزه وقيامه بحراسته هو مظهر النظام والتضامن وهما أساس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت