الصفحة 13 من 39

الأمريكية خاصة وقوى الغرب عامة ولا تكون كذلك على المستوى الإسلامي في موازاة الجماعات الإسلامية الأخرى ذات الصبغة العالمية، ذلك أن هذه الجماعات تمثل بالنسبة لها الاحتياط الاستراتيجي الذي تنهل منه وستنهل منه لاحقا ولو على المستوى الفردي، كمرحلة أولى، بسبب جاذبية الخطاب السلفي.

فالسلفية لا تعنيها كثيرا الجماعات الإسلامية المغمورة أو التي حشرت نفسها في أطر جغرافية أو خدمية ضيقة لم تتجاوزها منذ عشرات السنين مثلما تعنيها الجماعات ذات الانتشار العالمي الذي لا يخلو منه بلد إسلامي أو غير إسلامي، وهذا يعني أن السلفية تعمل بموجب نظام العولمة الذي يحقق لها تواصلا مع الرصيد في مختلف البلدان والمناطق. لكن كيف يمكن التمييز بين السلفية الجهادية وغيرها من الجماعات الأخرى؟ وأية فائدة قد تجنيها السلفية من"قريناتها"؟

الحقيقة أن الإجابة تكمن في الفهم الدقيق لمضمون"الشمولية"التي يطرحها المقدسي، وهو مضمون عقدي بالدرجة الأساس، فقد عاش العالم الإسلامي ردحا من الزمن اختلط فيه التوحيد بالشرك عبر تقديس الأولياء والزوايا والقبور، وتسببت الكثير من الفرق الضالة والتخلف في شيوع ظاهرة التمائم والترانيم والأساطير والخرافات والبدع وكأنها جزء من العقائد وطرائق للعبادة فيما هي شرك من حيث يعلم المعتقدون بها أو يجهلون، لذا استهدفت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في جانب منها، وكذا أئمة الدعوة محاربة هذه الانحرافات وتصحيح الاعتقاد، بل أن الدعوة السلفية اشتهرت عالميا باعتبارها دعوة للتوحيد بشقيه عبر محاربة:"شرك القبور"و"شرك الحاكمية"، وبصيغة أخرى فالدعوة استهدفت تحقيق"التوحيد الاجتماعي"و"التوحيد السياسي"، إذ ما من معنى لمحاربة مظاهر الشرك لتحقيق التوحيد دون استكماله بإقامة الحاكمية.

لكن مع مرور الوقت ثبتت الأولى"محاربة شرك القبور"تدريجيا فيما سقطت الثانية"شرك الحاكمية"كليا إلا حين يكون ثمة حاجة لتنزيلها في موضع معين. ومثل هذا الأمر يشمل، مثلا، بعض علماء"السلفية العلمية"أو النظرية التي تقول بكفر الشرائع الوضعية التي لا تحكم بما أنزل الله، ولكنها عاجزة عن تنزيل الحكم على الواقع. لذا ترى السلفية الجهادية أن المعنى الشمولي للتوحيد، كالذي تحدث عنه المقدسي، يتطلب تحقيق شقي التوحيد الاجتماعي والسياسي في آن واحد، ولا يجوز"إقامة"أحدهما و"تأجيل"الآخر إلى يوم الحساب. هذا مع العلم أن المصادر والمرجعيات الشرعية للسلفية العلمية والجهادية واحدة بحيث لو قارنا مثلا بين الشيخ صالح الفوزان والشيخ علي الخضير أو أحمد الخالدي لما وجدنا خلافات تذكر فيما يتعلق بفقه التوحيد.

وفي ضوء هذا الفهم، فالإشكال واقع ليس في اختلاف مصادر التشريع ومرجعياته بقدر ما هو واقع في تنزيل الحكم الشرعي، أو بمعنى آخر بين النظرية والتطبيق. فكيف يمكن تفسير ما ذهب إليه بعض العلماء من تشريع للجهاد الأفغاني والشيشاني، في مرحلة ما، ثم نبذه في مراحل لاحقة فضلا عن إنكاره في العراق؟ فهل تغيرت المصادر والمرجعيات؟ وإلا فبأية مشروعية جاهدوا ونزّلوا الحكم؟ وبأية مشروعة نقضوا ما سبق وأجمعوا عليه؟ وبأية مشروعية يكون الجهاد في مكان ما ولحظة ما من الزمن مشروعا؟ وبأية مرجعية يكون"قذارة"أو قتالا في سبيل الطاغوت؟ وفي ضوء هذا الفهم أيضا، وعبر المنهج والعقيدة، يمكن بسهولة ملاحظة ذات الإشكاليات والاختلافات بين السلفية الجهادية والجماعات الأخرى.

فقد تمتعت جماعة الإخوان المسلمين، في بداية النشأة، بنهج سليم فيما يتصل بالدعوة إلى حاكمية الشريعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت