الصفحة 14 من 39

والسعي لإقامة الخلافة الإسلامية، لكنهم، فيما بعد،"أرجؤوا" [1] ، وصار لهم اجتهادات وتأويلات تبرر وتشرِّع لمفاهيم الديمقراطية والشرعية الدولية والقوانين والعمل بموجب الدساتير الوضعية، فشاركوا في الانتخابات ومجالس النواب وأعلنوا"احترامهم"للقوانين والمعاهدات وما شابهها، وتبرؤوا حتى من هدف إقامة الدولة الإسلامية ناهيك عن اللبس الذي يرافق شعار"الإسلام هو الحل"وما إذا كان ما يزال صالحا للعرض أم لا؟ ورغم أن الجماعة هي الأقرب للسلفية الجهادية، بالنظر إلى تاريخها وخروج الكثير من العلماء وقادة الجهاد العالمي من رحمها أمثال سيد قطب وعبد الله عزام، إلا أنها تبدو اليوم أقرب إلى كونها جماعة اقتصادية كبرى تنشط في تنمية الرأسمال ومصادره أكثر بكثير مما هي جماعة دينية، ولا شك أن هذا التوجه دفع الجماعة إلى البحث عن الاستقرار والأمن وتدعيمه كي يتسنى لها الاستثمار في السوق وتنمية مواردها عبر بناء الجمعيات والمؤسسات والمصانع والدخول في الصفقات التجارية والمالية وسائر النشاطات الاقتصادية، وفي هذا السياق بالضبط يجري توصيف الجماعة من قبل السلفية الجهادية باعتبارها إحدى أدوات ومنتجات سايكس - بيكو. إذ لا فرق بينها وبين أي حزب أو مؤسسة أو جماعة، وهو ما يفسر أغلب مواقفها السياسية وتحالفاتها، ولأنها لا يمكن أن تكون معادية، فهي إما مشاركة في السلطة أو حليفة لها أو ساعية إليها بقطع النظر عن هويتها سواء كانت محلية أو قوة احتلال أجنبية كما هو الحال في العراق وأفغانستان.

إذن فالجماعة على مستوى المنهج لم يعد الجهاد حتى إحدى وسائل التغيير لديها، بل أنها بتوجهاتها الجديدة، الباحثة عن الأمن والاستقرار، يبدو من غير المنطقي مطالبتها بإعلان الجهاد أو دعم السلفية في جهادها على الأقل ضد"طواغيت العجم"، بل أن التصريحات"الشخصية"لمرشد الجماعة محمد مهدي عاكف من الجرأة بحيث تصل إلى حد إنكار وجود القاعدة:"أنا شخصيا لا اعتقد أن هناك تنظيم القاعدة"واعتبار الفكر السلفي الجهادي:"فكر منحرف يسري بين شباب الأمة بتحريض من العدو الصهيوني والأمريكي وتصرفاته ضد العرب والمسلمين" [2] ، والأكيد أن مثل هذه التصريحات منسجمة إلى حد بعيد مع توجهات الجماعة، ولو كان الأمر غير ذلك لتوجب على المرشد العام والجماعة أن يردا على تساؤلات رموز السلفية الجهادية التي باتت تدرك أن توجيه الخطاب للقواعد أجدى من توجيهه إلى قيادات"تخلت عن الحاكمية"وأخرى"باعت دينها" [3] .

أما حزب التحرير الرديف المحتمل للسلفية الجهادية بوصفه حركة عالمية، فلا يقل وضعه حرجا عن غيره من الجماعات بنظر السلفية. فهو حزب سياسي أكثر منه جماعة إسلامية، وهو يشكو تاريخيا من غياب العلماء وطلبة العلم، بل أنه لا يهتم لا بالعلم ولا بالعلماء، وبالتالي فتراثه المعرفي أو الفقهي يكاد يكون موقوفا على

(1) واقع الأمر أن الإخوان لم يفلتوا من خطابات أي من رموز السلفية الجهادية ابتداء من أسامة بن لادن والظواهري وأبو الليث الليبي وأبو يحيى الليبي وعطية الله مرورا بأبي عمر البغدادي وانتهاء بأبي حمزة المهاجر الذي وصفهم، في أحد خطاباته، بذوي"التاريخ النكد"وتعميمهم لـ"منهج الإرجاء"على نطاق الأمة. لكن مع ذلك يمكن استثناء حركة حماس الفلسطينية بوصفها حركة جهادية مع أن قيادتها لم تسلم من النقد الشديد الذي طالها من كافة رموز الجهاد العالمي على خلفية مشاركتها في العمل السياسي بموجب إفرازات اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل سنة 1994 فضلا عن مواقف قيادتاها وتحالفاتها السياسية على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي.

(2) محمد مهدي عاكف، منتدى الـ BBC، مصدر سابق.

(3) التخلي عن الحاكمية وردت في أغلب خطابات ولقاءات د. أيمن الظواهري، أما بالنسبة للشيخ أسامة فأول نقد وجهه لقيادة حركة حماس ورد في خطابه"السبيل لإحباط المؤامرات"، شريط صوتي، مؤسسة السحاب، 29/ 12/2007.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت