في أية صراعات سياسية أو حزبية، بل هي ممن ينأى بدعوته عن السياسة بفصلها الدين عنه وعن الدولة، الأمر الذي يعرِّض دعوتها للطعن خاصة وأن الإسلام هو"دين ودولة"ولا يجوز"تبعيضه"، وهي بهذا أقرب ما تكون إلى"التوحيد الاجتماعي"من قربها إلى"التوحيد السياسي". والحقيقة أن أكثر الطعون الموجهة لها تقع في مسألة التوحيد وما يسميه البعض بـ"الخروج"عند الجماعة ذلك المصطلح الذي جعلت منه"الركن الأساسي الذي لا تصح الدعوة دون القيام به"بينما"الخروج"عند السلفية الجهادية هو تعبير مرادف للجهاد [1] وفق النص القرآني. ولعل السبب في ذلك نشأتها الصوفية، لكن مصدر الطعون بالدرجة الأساس تمس الجماعة من حيث الجهل في طلب العلم الشرعي وتركها للفقه، فرغم أنها تدعو إلى طلب العلم وأخذه عن العلماء [2] إلا أنها غالبا ما توصف بالجهل كلما رأت في العلم"طاغوتا"وكلما تمسكت أكثر بكتاب"رياض الصالحين"كواحد من أهم المراجع الذي"يتداوله الأعضاء كل يوم خميس حتى يتوفاهم الله"على ذمة أحدهم.
في المحصلة لا وجود لسياسة شرعية أو غير شرعية عند الجماعة، وبالتالي لا جود لأي تراث جهادي لا في عقائدها ولا في مناهجها، فضلا عن أن الصفات الست [3] التي تعمل بموجبها لإصلاح الناس أُنكرت من قبل العلماء لا من حيث الطعن بمحتواها بل من حيث النقص في تعبيرها عن شقي التوحيد. والثابت عن الجماعة أنها لم تزعم يوما أنها تمثل الإسلام أو المسلمين، ولأن كل ما تفعله هو"الهداية"، فليس للجماعة أية نوازع أو طموحات تذكر في العمل السياسي وغيره، وحتى النشاط الدعوي الذي تمارسه يلخصه البعض بعبارات لا تخلو من دلالة وهو يرى أن الجماعة تستطيع إدخال الشبان إلى المساجد لكنها قلما تستطيع الاحتفاظ بهم، ومثل هذا الوضع يجعل من الجماعة غير المحصنة سياسيا أو عقديا أو أيديولوجيا أو تنظيميا وجبة دسمة يسهل افتراسها أمنيا.
لكن ما لا تستطيع أية جماعة أن تجاريهم فيه، ويشهد لهم فيه العامة والخاصة، هو تمتعهم بأخلاق رفيعة وأدب جم [4] واستهدافهم، في دعوتهم، العامة من الناس، فيخرِّجون شبانا على الفطرة ليسوا مؤدلجين ولا هم حزبيين ولا منتمين لأي فكر إسلامي، وهو أفضل ما يخدم السلفية الجهادية التي تبحث عن أنصار ومتطوعين لم تلوثهم الأيديولوجيات العلمانية و"ثقافة سايكس - بيكو". وهنا بالضبط يمكن أن نفهم لماذا تبدو الجماعة في غزة، مثلا، من أقرب الجماعات إلى السلفية الجهادية، ولماذا التحق المئات منهم بساحات الجهاد العالمي. وفي هذا السياق لما سئل خطاب قائد المجاهدين العرب في الشيشان من قبل إبراهيم الداغستاني عضو جماعة التبليع عن رأيه في الجماعة أجاب:"إن الجهاد والدعوة جناحان لطائر واحد" [5] ، وهي إجابة كافية ليطير بها"الداغستاني"فرحا إلى
(1) {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} التوبة46 ... لهذا يتهمها أغلب العلماء بالبدع والشطط في فتاواها كموقفها من الجهاد مثلا.
(2) لمزيد من الاطلاع على عقائدها، يفضل تفحص موقع الجماعة على الشبكة: http://binatiih.com/go/.
(3) الصفات الست هي: (1) تحقيق لا إله إلا الله محمد رسول الله (2) الصلاة ذات الخشوع والخضوع (3) العلم مع الذكر (4) إكرام المسلمين (5) إخلاص النية (6) الدعوة إلى الله والخروج في سبيله.
(4) (من المثير حقا أن لجماعة الدعوة ما يشبه منظومة"إيتيكيت"بالغة اللطف وهي تتجلى في سلوك الأعضاء خلال زياراتهم للمرضى أو حين تجولهم في الحارات وطرق أبواب البيوت ودعوتهم الشبان لحضور دروس"الهداية"والنصح والإرشاد في المساجد.
(5) أبو عبيدة المقدسي، شهداء في زمن الغربة، ص 18.