فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 473

شَيءٌ، أرأَيْتُم مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السموَاتِ والأرض، لَمْ يَنْقص مَا في يَمِينِهِ" [1] وسِرُّ ذلك: صَلاحِيةُ القدرة للإيجاد دائمًا مِن غير عَجْزٍ وقُصُورٍ، والممكن لا يتناهى، فما يُؤخَذُ منها لا يُنْقِصُ شيئًا منها [2] ."

وقوله:"إلَّا كمَا ينقص المخيط من البحر"أي: لا ينقصُ شيئًا؛ لأَنَّ الإبرة لا يتعلق بها مِن الماءِ شيءٌ، وهذا بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لقول الخضر:"مَا نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ الله إلَّا كمَا نَقَصَ هذا [العُصْفُورُ] [3] " [4] فإن نقر العصفور من البحر لا بد أن ينقصه شيئًا -وإن قَلَّ- بخلافِ الإبرَةِ؛ لكن ليس المراد أنَّ عِلْمَهُمَا نَقَصَ مِن عِلمِ الله قليلًا أو كثيرًا؛ إِنَما المُرادُ: تَقريبُ أَنَّهُ لم يَنْقُص مِن عِلْمِ اللهِ أَصْلًا.

ويُحْكَى أنَّ رَجُلًا سأل ابن الجوزي -رحمه الله-: هل ينقص شُرب العصفور من البحر؟ فقال:"فَمَعَهُ شيءٌ يضَعُهُ فيه"؟! [5] .

وهذا جوابٌ على جِهَةِ التَّحقِيق، وقول الخضر لموسى على جهة التَّقْرِيب، وإلَّا لَوْ فَرَضْنَا الوجود مملوءًا حَبًّا وأَخَذَ العُصْفُور منهُ واحِدَةً لَنَقَصَتْ بالضرورة؛ لكن ليس نقصًا مُحْتَفَلًا به [6] .

ففيهِ تَنبِيهُ الخَلْق على الإقبالِ والمَسْأَلةِ؛ فَلَا يحتقر سائل ولا يقتصر:

(1) رواه البخاري (6/ 73 رقم 4684) ، ومسلم (2/ 690 رقم 993) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(2) من قوله:"وهذا مثلٌ ..."إلى هنا أخذه المؤلف -بحروفه- مِنْ كلام القرطبي في"المُفهم" (6/ 555 - 556) .

(3) ما بين المعقوفتين من"التعيين" (191) ، وهو أيضًا لفظ الحديث، ويدل عليه ما بعده.

(4) رواه البخاري (1/ 36 رقم 122 وانظر أطرافه في 74) ، ومسلم (4/ 1847 رقم 2380) من حديث ابن عباس عن أُبيِّ بن كَعْب - رضي الله عنهما -.

(5) ذكرها الطوفي في"التعيين" (191) .

(6) قارن بـ"التعيين" (191) ، والفائدة التي سيذكرها المؤلف قارنها أيضًا بالتعيين (183) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت