فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 473

لم يقل:"حتى يأتمر بما أمر به"، أو"حتى يجيء بما جئت به"، أو نحو ذلك؛ فإن المأمور بالشيء الملتزم به قد يفعله اضطرارًا لا اختيارًا، ولهذا لم يقتصر في الآية السالفة على: {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] بل قال: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا} ثم أكد بالمصدر في قوله: {تَسْلِيمًا} فلا يتوقف أصلًا [1] .

وهذا وجيزٌ مُخْتَصر جامِع لأَفرادِ الشَّريعةِ؛ وذلك أنَّه -عليه أفضل الصلاة والسلام- إِنَّما جاء بشرائع الدِّين الكاملة، من الإيمان والإسلام والإحسان والنُّصح العام والخاص والاستقامة؛ فإذا كان هواه تبعًا لِمَا جاءَ به الشَّارعُ مِن الدين -أُصوله وفُرُوعهِ- فهو المؤمن حقًّا، والكافِر مُعرِضٌ عن ذلك إلى هواه، فهو الخاسِرُ حقًّا؛ فمن غلب عقله هواه فاز، ومن غلب هواه عقله؛ فالبهائم خير منه.

وعظٌ:

إنَّ الهوَانَ هُوَ الهوَى قُصِرَ اسْمُهُ ... فَإِذَا هويْتَ فقد لَقِيتَ هوانا

ويقال: إن هشام بن عبد الملك لم يقل في عمره إلَّا هذا البيت:

إذَا أَنْتَ لَمْ تعصِ الهوَى قادَكَ الهوَى ... إلى بعضِ مَا فيهِ عَليكَ مَقَالُ

فإذا خالف ميله فهو الرجل الشجاع؛ فإن العطب في الملام للنفس، والمنافرة هو المنجى من المهالك [2] ، وفقنا الله إلى ذلك.

(1) قارن بـ"المنهج المبين"للفاكهاني (558 - 559) .

(2) كذا بالأصل، والعبارة في"التعيين" (332) :"وحقيقة الهوى شهوات النفس، وهي ميلها إلى ما يُلائِمُها، وإعراضُها عمَّا ينافِرها، مع أنه ربما كان عطبُها في الملائِم وسلامتُها في المُنَافِر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت