فدل على الإمهال للاستتابة، وأن إظهار الأيمان يحصن من القتل، وقد قام الإجماع على أن أحكام الدين على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لأسامة:"هلا شققت عن قلبه" [1] . وقال للذي ساره في قتل رجل:"أليس يصلي؟". قال: نعم. قال:"أولئك الذين نهيت عن قتلهم" [2] . والأحاديث في هذا كثيرة، واستدل لمن لم يقبل التوبة، بأن توبة الزنديق لا تعرف، قالوا: وإنما لم يقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - المنافقين للتأليف، والجواب عنه بأن الظاهر من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - التغاضي عن المنافقين مع ظهور الإسلام وقوة شوكته، وطلب جماعة من الصحابة لقتل من ظهر نفاقه، وإجابته - صلى الله عليه وسلم - في حق البعض بقوله:"أليس يصلي؟"."أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟"وذلك للاكتفاء بظاهر الإسلام، وإن ظهر منه ما يدل على أن باطنه يخالف ما ظهر منه، وأن الأحكام الشرعية [بنيت] (أ) على المعاملة بالظاهر والله يتولى السرائر، فمهما كانت اليد مع المسلمين، فحكم الإسلام جار عليه.
والزنديق بكسر أوله وسكون ثانيه، قال أبو حاتم [3] : هو فارسي معرب أصله زَنْدَهْ كَرْدْ، أي يقول بدوام الدهر؛ لأن زَنْدَهْ الحياة، وكَرْدْ العمل، ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب [4] : ليس في كلام العرب زنديق، وإنما قالوا: زندقي. لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما
(أ) في الأصل: تثبت.
(1) مسلم 1/ 96 ح 96/ 158.
(2) أحمد 5/ 432، وأبو داود 4/ 284 ح 4928.
(3) الجمهرة لابن دريد 3/ 504، 505. وفيه: زنده كر، بدون الدال في آخره. وينظر المعجم الذهبي ص 463.
(4) المعرب للجواليقي ص 214، 215.