قلت: فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" [1] "
فتأمل هذا الحديث مع وجود الدخن بينهم والكدورة، إلا أنه خير خالطه هذا الدخن، فأثبت - صلى الله عليه وسلم - الخيرية لبعض القوم رغم وجود الدخن بينهم، والعبرة بكثرة المحاسن وغلبتها.
وفي الحديث عن عمر - رضي الله عنه - أن رجلًا اسمه عبد الله يسمى حمارًا، كان يضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جلده في الشراب، فأتى به يومًا فجلده، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله" [2] , أي ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فانظر كيف طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من صحابته أن يوازنوا بين الايجابيات والسلبيات الموجودة في هذا أخيهم - رضي الله عنه - رغم خطأه، فلا ينسوا حسناته بسبب سيئاته، بل ينظروا إليهما جميعًا.
ومن ذلك أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" [3]
قال ابن القيم رحمه الله:"وإقالة ذوي الهيئات عثراتهم، باب من أبواب محاسن الشريعة الكاملة وسياستها للعام، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد" [4]
(1) صحيح: رواه البخاري
(2) صحيح: مشكاة المصابيح (3625)
(3) صحيح: سنن أبي داود وصححه الألباني (4375)
(4) بدائع الفوائد (3/ 135)