2 -نسيان المحاور منزلته العلمية، ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، ينسى منزلته العلمية فيضرب بأقوال أهل العلم المستدلين لأقوالهم لا المستدلين بأقوالهم عرض الحائط، فلا يرجع عن أقواله المخالفة لهم، ويتصلب في تعامله معهم، متبعًا في ذلك تعقيدات إنشائية وتقعيدات لفظية يؤصل فيها قواعد ويقرر كليات، ويرد بها الأدلة الواضحات، وهذا دليل على إشكالات نفسية يعاني منها، واتباع أعمى لهواه فيفقده التعقل والأناة والروية والحلم، وقد ضرب الله تعالى لنا مثلًا عظيمًا يحتذي به في كتابه الكريم وفي سورة الكهف تحديدًا بنبيه موسى عليه الصلاة والسلام، نتعلم منه أن ما معنا من علم ليس هو كل العلم، بل يجب أن يكون شعارنا: {رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ، ونعلم حقيقة أننا وجميع الخلق قال لنا الحق: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [1] .
فعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال حدثنا كعب بن مالك - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسُئِلَ: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه أن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم" [2] , وذكر الحديث كما قصه الله تعالى علينا في سورة الكهف.
لقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أصحاب عقول راجحة وحكمة بالغة زادها القرآنُ نورًا على نورها، فكانت حظوظ النفس لديهم
(1) سورة الإسراء آية (85)
(2) صحيح: رواه البخاري