الصفحة 23 من 46

اليوم بمن ينشغل عن صلوات وصلوات بمتابعة مباراةٍ رياضية، فضلًا عن أن يحدث نفسه بمقارعة عدو أو منازلة محاربٍ معتدٍ على حرمات الدين!

إننا اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، وبحاجة ماسة إلى اليقظة والتنبه من هذه الغفلة القاتلة التي تعترينا، وأيم الله إن قلوبنا لتتفطر ونحن نرى المسلمين في عبادة الطواف بالبيت الحرام وأنغام الموسيقى تنبعث من هواتفهم، فينبري المحرمُ الطائف للانشغال بالرد والكلام على هاتفه أثناء طوافه وكأنه في جولة سياحية لا في صلاةٍ لله عز وجل، وكأن صلته بالمخلوق أولى من انشغاله بوصل ما بينه وبين المعبود سبحانه وتعالى. وليس هذا استطرادًا خارجًا عن البحث وإنما هو واقعٌ تدمي له القلوب، وتتفطر له الأكباد، فالله تعالى حين شبه صفوف المجاهدين شبهها بصفوف المصلين، فكيف ترجو من أمةٍ لا تقيم صفوف صلاتها، ولا تفرغ القلب من شواغل الدنيا في طوافها أن تنتظم صفوفًا للقتال في سبيل الله، كيف؟!

10.وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل عليه السلام فقال: قد وضعت السلاح! والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال:"فإلى أين؟"قال: هاهنا، وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. [1]

إن غدر اليهود بالعهود صفةٌ أصيلةٌ لهم لا مجرد وصفٍ عارضٍ يتلبسهم، قال الله تعالى: (أوكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم) [2] . ولقد صدقت بنو قريظة هذا الوصف حين غدرت برسول الله صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف، وكان وقع الخبر على المسلمين شديدًا. ولقد تقدم أن اليهود هم من ألَّب قبائل العرب ابتداءً لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان لا بد من حسم مادة الفساد في أرض الإسلام الفتية، وكان لا بد من تطهير المدينة من رجس اليهود.

وجاء الأمر من الله تعالى، والبلاغ من جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة عجيبة؛"قد وضعت السلاح! والله ما وضعناه"! إن المسلم لا يعبد الله تعالى في هذا الكون وحيدًا، وإن المسلم لا يواجه قوى الكفر والطاغوت وحيدًا، كلا! إن المسلم يعبد الله تعالى كما يعبده معه الكون بأسره سماؤه وأرضه، جباله وأشجاره، شمسه وقمره، لا يخرج عن ذلك إلا كفار بني آدم، قال الله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر

(1) صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4117

(2) سورة البقرة - آية 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت