الصفحة 24 من 46

والدواب وكثيرٌ من الناس وكثيرٌ حق عليه العذاب ومن يُهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) [1] .

وإن المسلم لا يجاهد الكفار وحده، بل يجاهدهم معه جند الله تعالى من الملائكة والريح وغيرهم، ليزداد المؤمن يقينًا بأن مشهد العبودية هو المشهد الطبيعي الذي فطر الله تعالى عليه الخلق، وأن الكفر طارئٌ عارضٌ خبيثٌ لا بد من استنفار الكون بأسره لاجتثاثه، ولهذا سلط الله تعالى الرعب والريح والملائكة والجند المحمديين لرد الغزو الآثم لأحزاب قريش والعرب، وردهم الله تعالى بغيظهم لم ينالوا خيرًا.

ولما استجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من الصحابة الكرام لفورهم لنداء جبريل عليه السلام مكنهم الله تعالى من ظهور بني قريظة، وأنزل الله تعالى فيهم حكمه على لسان صحابي جليل لم تأخذه في الله لومة لائم، قَطَعَ ما بينه وبين الناس ليقيم ما بينه وبين الله عز وجل، نتأمل المشهد التالي:

11.وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار:"قوموا إلى سيدكم أو خيركم"، فقال:"هؤلاء قريظة على حكمك"، فقال: تُقتل منهم مقاتلتهم وتسبى ذراريهم. قال:"قضيت بحكم الله"وربما قال:"بحكم الملك" [2]

فأين الناس اليوم الذين ينتسبون للإسلام ثم يهرولون ويسارعون في مرضاة وموالاة أهل الكفر على حساب أهل الإيمان، ويقطعون ما بينهم وبين الله تعالى ليقيموا ما بينهم وبين أعداء الله؟! تجد أحدهم اليوم يسارع في تهنئة الكتابي بعيد شتم الله عز وجل ما لا يسارع به في تهنئة أخيه المسلم بعيد الإسلام، وتجد أحدهم يقيم علاقات الود والمحبة والصداقة مع أعداء الله المعلنين بكفرهم وعدواتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومع من يتجرأون على امتهان كتاب الله، ويتجرأون على سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يألوا جهدًا في التماس الأعذار لهم إن اضطره بعض الخجل لذلك، وإلا فهو على ودهم ومحبتهم لا يحيد، نسأل الله تعالى أن يحشر كل امرئ مع من أحب.

"قضيت فيهم بحكم الملك": أين حكام المسلمين اليوم من هذا؟ وأين أهل الرأي والحل والعقد اليوم من هذا؟ أين من عطل أحكام الله وشريعته وأقام مكانها دستورًا وضعيًا وضيعًا من هذا؟ وأين من

(1) سورة الحج - آية 18

(2) صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4121

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت