وليس تحصيل اللياقة بأمر صعب، بل شهرٌ واحدٌ يكفي لتحصيل الحد الأدنى من اللياقة لمن كانت لياقته ضعيفةً ما لم يكن فيه سمنةٌ مفرطة أو مرض معجز، ويمكنه أن يحصِّلها في هذا الشهر الواحد دون أن يتفرَّغ تفرغًا كاملًا لذلك، إذا صدقَ الله عزَّ وجلَّ وألزم نفسه الجدَّ.
ومع ذلك، فليس كل أبواب الجهاد ومواضعه محتاجًا إلى اللياقة العالية، بل إذا اتصل بقيادة المجاهدين وذكر لهم حاله مع اللياقة، استطاع المجاهدون توجيهه إلى ما لا يُحتاج فيه إلى اللياقة من الجهاد.
-أخشى أن أجبن في أرض المعركة ثم أقول لو أني قعدت كان خيرًا لي من الفرار والتولي. فهل من تفصيل وتأصيل في هذا ... ؟
أما خشية الجبن في أرض المعركة، فقد سبقَ السائلَ في هذا بشير بن الخصاصية السدوسي الصحابي رضي الله عنه، لما جاء يُبايع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أما اثنتان فوالله ما أطيقهما: الجهاد والصدقة فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت تلك جشعت نفسي وكرهت الموت، والصدقة فوالله مالي إلا غنيمة وعشر ذود هن رسل أهلي وحمولتهم قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حرك يده ثم قال فلا جهاد ولا صدقة فلم تدخل الجنة إذا قال: قلت: يا رسول الله أنا أبايعك قال: فبايعت عليهن كلهن.
وأصل ترك الجهاد خوفًا من المعاصي والذنوب، أصلٌ من أصول المنافقين القاعدين، كما حكى الله جل جلاله عنهم فقال: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) ، فاحتجُّوا بخوف الفتنة لترك الجهاد، وجاء من وجوه عدة أنَّ الذي احتجَّ بهذا قال: إنِّي رجل ضعيفٌ لا أصبر عن النساء وأخاف أن تفتنني نساء بني الأصفر.
وهذه شبهة من الشبه الإبليسية في جميع الطاعات، فيسوِّل لبعض الناس ترك الطاعة خوف الرياء، وأنَّك إن تترك الطاعة بالكلية خير لك من أن تفعلها رياءً وسمعةً فتكون من أول من تسعر بهم النار، من المنفق والعالم والمجاهد يريدون الجاه والسمعة، أو أنَّك إن طلبت العلم استكثرت به من الحجج وزادت معصيتك وإثمك، فاترك العلم خيرًا لك، ونحو ذلك من الشبه التي ما يُلقيها إلا الشيطان.