فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 83

الكريه الخُلُق، فهذا رسول الله مع كمال أخلاقه ونبل نفسه وعظيم صفاته، لو كان فظًّا غليظ القلب مع الصحابة لانفضُّوا بشهادة الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم، فكيف لا ينفضُّ من هو دون الصحابة؟ وإذا كان الدين والإسلام والتوحيد لا يكون إلاَّ مع رسول الله ومع ذلك فلو كان فظًّا لتركوه، فكيف بمن يصحُّ الإسلام والدين والتوحيد معه ومع غيره؟

والواجب على المسلم أن يُعين إخوانه على أداء ما أوجب الله عليه ولا ينفّرهم من الدين والإسلام والتوحيد والجهاد وأداء ما أوجب الله عليهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ منكم منفِّرين"، وقال:"بشّروا ولا تنفّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا"، وينبغي أن يعلم أنّ نفور من ينفر بسبب الشدَّة والغلظة غلطٌ من هذا المنفِّر، إذ الغلظة والفظاظة لو كانت نفَّرت أكرم الأصحاب عن أكرم الخلق في خير القرون، فكيف بمن يأتي منفّرًا في آخر الزمان ويرى أن تنفيره الناس صوابٌ وحقٌّ.

فلا يجوز له أن يُظهر لإخوانه الفظاظة والغلظة أبدًا، بل كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم وهديه أنَّه لا يُرى منه غضبٌ ولا تجهُّمٌ إلاَّ إن رأى منكرًا.

وإذا أخذ إخوانه بالشدة لأمر فيه مصلحتهم من التدريب المشروع كما يأتي في بيان حكم النوع الأول من الشدة؛ فلا يجوز أن يُعاملهم معاملةً تُفهمهم أنَّ هذه الشدة على وجه الفظاظة وغلظ القلب، بل الواجب عليه أن يعتذر منهم ويوضّح لهم ويُفهمهم أنَّ الشدَّة يُراد بها مصلحتهم، وأنَّها جزءٌ من التدريب العسكريّ، ويُؤكِّد على الأُخوَّة والمحبَّة الشرعيَّة، وحبَّذا لو يفعل كما فعل كثيرٌ من خيار المدرّبين إذا أمروا بأمر فيه مشقَّة أن يسابقوا إليه ويشاركوا المتدربين فيه، مع أنَّ ذلك غير لازم لهم، ولكن فيه من مكارم الأخلاق وإصلاح النفوس ما لا يخفى.

وأمَّا النوع الثاني من الشدة، وهو الشدة البدنية، كالتقليل من الطعام والشراب، والتعويد على السهر أيامًا ولياليَ، ومضاعفة التدريبات والرياضات على المتدرِّب مضاعفةً تُرهقه ويكون فيها عليه نوع مشقَّة؛ فلا بدّ لمعرفة حكمها من معرفة الأصل الشرعي من منع الضرر كما في حديث:"لا ضرر ولا ضرار"، حسَّنه ابن رجب وغيره، وفي منع من ولي أمرًا من المشقَّة على من تحت يده، كما في حديث عائشة:"اللهم من ولي من أمر أمَّتي شيئًا فشقَّ عليه فاشقق عليه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت