فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 83

ويُستثنى من الضرر والمشقَّة والمفسدة التي تعودُ على الأفعال بالتحريم: ما كان مصاحبًا لعبادةٍ من العبادات أو عادةٍ من العادات المعلوم إباحتها، داخلًا في ماهيَّتها أو ملازمًا لها؛ فإنَّ كلَّ عبادةٍ بُنيت على نوعٍ من المشاقِّ الملازمة لها، فلا تكون تلك المشاقُّ سببًا في إسقاطها أو الترخص فيها إلا بدليل خاصٍّ، وقد بُني الجهاد على تحمُّل المشقة العظيمة والجراحات فيه، ولا يكون حصول تلك الجراحات أو المشقة مانعًا من الجهاد ومسقطًا لوجوبه، في حين أن تلك الجراحات لو وجدت في الصلاة لسقطت عنه الصلاة قائمًا وصلى قاعدًا، ولو وجدت في الحج سقط عنه الحجُّ من عامه وهكذا، وبُنيت الزكاة على بذل المال فيبذل المقدار الواجب ولو كان قناطيرَ مُقنطرةً، وكذلك الحجُّ، ولو أنّه لم يجد ماءً للوضوء إلاَّ بأكثرَ من ثمنِ المثلِ لم يلزمه أن يشتريه وسقط عنه الوضوءُ على قول أكثر أهل العلم.

فإذا عُرف هذا الأصل؛ فإن المشقة التي تُغتفر في الإعداد، هي ما كان عليه عرف أوساط الناس من العقلاء المجاهدين، مما هو ملازمٌ للإعداد مصاحبٌ له في العادة، دون ما زاد عن ذلك الحدِّ من المشقَّة، ويُعتبر في الإعداد أنَّه وسيلة الجهادِ، فالَّذي يُؤمر الناس بإعداده هو ما يستطيعون الجهاد به، ويختلف هذا بين زمانٍ وزمان، ومكانٍ ومكانٍ، ويختلف بحسب المتدرِّب وما يُعدُّ له، فربَّ عمليةٍ لا تحتاج إلى شيء من الإعداد والتدريب، وعمليةٍ تحتاج إلى تدريبٍ عالٍ ومشقةٍ عظيمةٍ وشيء من الضرر، وكلا النوعين مما لا يعسر على أهل الخبرة معرفته وتقديره.

ولا يعني هذا أنَّ كلَّ ما جاز في الجهاد جاز في الإعداد من المشقة، فالجهاد يجوز فيه تعريض النفس للقتل المحقق، والتعرض للجراحات البليغة ونحوها مما ليس من الإعداد، وليس من المعروف في الإعداد، بل المُراد من إلحاق الإعداد بالجهاد، أنَّ ما كان عرفًا في الجهاد والعمليات العسكرية مما يُحتاج إليه من المهارات والأفعال، كانت المشقة التي تحصل عادةً بالاستعداد له مغتفرةً، والله أعلم.

فالسهر أيامًا يسيرة كيومين أو ثلاثةٍ، والجوع الذي لا يبلغُ أن يسقط الرجل معه من الإعياء، والرياضة المرهقة التي لا تبلغ إلى الضرر على شيءٍ من الجسد والأعضاء، كلُّها معتادةٌ مُتعارفٌ عليها في الإعداد والتدريب.

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت