فهرس الكتاب
والغالب أنَّ المجاهدين لا يستطيعون استقبال من لم يأتِ بتنسيقٍ ومعرفةٍ ممن يُوثق به، لكثرة العملاء المدسوسين من بعض دول الجوار، ومن الدول التي يكثر نفير المجاهدين منها، فالأولى بمن أراد النفير إلى الجهاد أن يسعى في البحث عن الطريق المعروفة التي توصله إلى المجاهدين، أو يعلم قبل ذهابه عمن يستقبل من يأتي إليه من المجاهدين دون اشتراط التنسيق ليكون على بصيرةٍ من أمره قبل خروجه ولئلا يقع لقمةً سائغةً لأعداء الله أو يصل إلى جبهة الجهاد ويتحرَّج المجاهدون من استقباله لعدم معرفته ومن ردِّه خوفًا عليه فيكون عبئًا عليهم فوق ما يحملون من الأعباء.
ولا يُفهم من هذا التقاعس أو التخاذل عن النفير إلى الجهاد بل الواجب هو السعي المتّصل في تحصيل أسبابه وأن لا يقعد ولا يقرّ حتَّى يحصِّل الأسباب التي توصله إلى أرض المعركة ويبذل قُصارى جهده ولا يكون كحال من طبع الله على قلوبهم ممن يستأذنون وهم أغنياء.
وليعلم أنَّ العذر الواحد قد يعتذر به رجلان أحدهما صادقٌ مصدَّقٌ معذورٌ مأجورٌ كالذين قال الله فيهم: (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) ، والآخر كاذبٌ مُكذَّبٌ مخذولٌ كالَّذين قال الله فيهم: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) .
والفرق بينهما ما قال الله عز وجل: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ومن نصح لله ورسوله لا يُمكن أن يعتذر بما ليس بعذرٍ بل إنَّ الناصح الصادق إذا لم يجد ما يوصله إلى الجهاد حزنَ وألم لذلك وواصل السعي ليُجاهد في سبيل الله.
وتأمَّل حال من لم يجدوا ما يُنفقون في الجهاز للجهاد فلم يقعدوا فرحين بعذرهم ويتأخروا ليكونوا فيمن يعتذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع إليهم كما فعل المعذِّرون من الأعراب، بل جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل الخروج حرصًا على إدراك الغزوة ليحملهم فلمَّا