فالكافرون يُحاربون أهل الإسلام بأموالهم وألسنتهم وأسلحتهم وقد أُمرنا بمقاتلتهم كافَّةً كما يُقاتلوننا كافة (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) ، وأن نعتدي عليهم بمثل ما يعتدون (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ، ومن ذلك بيان باطلهم وزخرفهم بالحجة والبيان.
ومن المعلوم أنَّ الطواغيت لم يكونوا ليتركوا الطائفة المجاهدة التي قامت في بلاد الحرمين وعرفها الناس وأيَّدها كثير منهم بحمد الله، ما كانوا ليتركوها دون أن يبذلوا في حربها ما يستطيعون، كيف وهم يبذلون الأموال والجهود في حرب المجاهدين في الجزائر وفي العراق وفي البلاد البعيدة، فكيف بمن هم بين ظهرانيهم؟
وإذا كان أكرم الخلق وأشرفهم صلى الله عليه وسلم قد لقي ما لقي من التكذيب والاتهام والسبِّ والثلب والكذب، حتَّى اتُّهم صلى الله عليه وسلم في عرضه؛ فقذفوا زوجه عائشة رضي الله عنها، واتُّهم في أمانته فرماه المنافقون بالغلول حتَّى برَّأه الله عزَّ وجلَّ وأنزل: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) ، ورموه بأبي هو وأمِّي بالغدر والخيانة لاغتياله كعبَ بن الأشرف لعنه الله، ورموه بقطيعة الأرحام والتفريق بين الأب وأبيه، ورُمِي من قبله من الأنبياء والصالحين بأنواع التهم والأباطيل، حتَّى قُذفت مريم الصديقة بالزنا، ورُمي عيسى بأنَّه ابن زنا، واتُّهم موسى في جسده وآذاه المنافقون من بني إسرائيل وقالوا إنَّه آدر، ولم يخلُ مصلحٌ أو مجاهدٌ من متكلم في عرضه بالباطل، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، وقال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) .
ولذلك أخبر الله أتباع الرسل أنَّهم لن يخلُوا ممن يعيبهم بالباطل ويذمُّهم بالكذب والزور، ويؤذيهم بكل ما يُؤذي، وخاصة من الكلام فقال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا) ، وهذه الآية نزلت في المدينة بعد الهجرة كما في صحيح البخاري فكيف بما كان قبل الهجرة من الأذى؟
فمن هنا كانت أهمِّيَّة أن يعرف المسلم الحقَّ بدليله لئلاَّ تزلزله الفتن والدعاية التي ينشرها عدو الله، فمن آمن بالله وكفر بالطاغوت واعتقد وجوب الجهاد وناصر المجاهدين عن معرفةٍ لحقيقة الواجب عليه فإنَّه ثابتٌ بإذن الله لا تضره أكاذيب الطواغيت.
فإذا عُلم هذا؛ فمن وجد في نفسه ضعفًا عند مشاهدة أمثال هذه الفتن، فليرجع إلى نفسه ولينظر هل تأييده الجهاد ومناصرته المجاهدين عن عاطفةٍ وانفعالٍ وحماسٍ مجرَّدة