تستطيع الوصول إليه قبل وقت حاجة صديقك أو قريبك، واحتجت إلى استعمال المال الذي في يدك لأنَّه أقرب؛ فمن أهل العلم من أجاز التصرُّف بما معك لأنَّ الأموال لا تتعيَّن بالتعيين عنده، والصواب أنَّ المال يتعيَّن بالتعيين لأمرين:
الأوَّل: أنَّه يختلف بالوصف فمنهُ الحاضر والغائب، والقريب والبعيد، والمحفوظ والمُحرز، وما هو في مكانِ أمنٍ وما هو في أرض حربٍ، والتسوية بينها تسوية بين المُختلفات، ومن له مال في مكانٍ أمينٍ لا يرضى أن يُبدل بمالٍ في مكان خوفٍ، ومن له مالٌ قريب لا يرضى إبداله بمالٍ بعيد يحتاج الوصول إليه إلى وقتٍ ومال وقد يكون طريقه مخوفًا.
الثاني: أنَّ القول بعدم تعيُّنه بالتعيين يُوجب التسوية بين العينِ والدَّين، ويتفرَّع عليه انعدام الفرق بين الوديعة والدين تبعًا لإلغاء الفرق بين ما في الذِّمَّة وما في اليد، ويلزم من إلغاء هذا الفرق أن يُلغى الفرق بين الأمين والضَّامن أو يُجعل الضامن أمينًا والأمين ضامنًا.
ولتوضيح هذا الفرق يُقال: إنَّ المدين لو تلف المال في يده بقي الدين في ذمَّته لأنَّه اقترض مالًا ليردَّ بدله لا ليردَّ عينه، فصار المال التالف من ماله لأنَّه لو اكتسب به كان الربح له فكذلك لو تلف فالتلف عليه والخراج بالضَّمان، أمَّا المُستودَع فإنَّه لا يضمن ما لم يُفرِّط، لأنَّه لم يأخذ المال لنفسه بل حفظه على صاحبه، والتزم أن يردَّ عينه لا بدله، ولو زادت قيمة الوديعة ما كان له منها شيء، وإنَّما خراجها لصاحبها فالضَّمان عليه، ولا يُمكن التسوية بين هذه الأحكام المُختلفة.
وهذا المال الذي في يدك لو تلف بغير تفريطٍ منك، ولا استعملته إلاَّ كما أذن لك الذي وكَّلك فإنَّك لا تضمن شيئًا لأنَّك فعلت المأذون لك فيه، وما تولَّد عن المأذون غير مضمون، فليس لك أن تستعمله ولو كنت عازمًا على أن تضع مكانه مالًا لك في مكانٍ آخر.
إلاَّ إن جرت العادة بينك وبين هذا الرجل أن تأخذ من ماله فلا يغضب لو علم، وهذا يكون في المال اليسير غالبًا فلا بأس بأخذه كما قال تعالى: (وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ) ، وقد تكون العادة بذلك جاريةً بين الرجل وقريبه، أو الرجل وصديقه، أو الرجل ومن يوكِّله على بعض شأنه فإنَّ معنى قوله: (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ