مَفَاتِحَهُ) وكيل الرجل على شيٍ من شأنه، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: هو الرجل يوكّل الرجل بضيعته, فرخص الله له أن يأكل من ذلك الطعام والتمرِ ويشربَ اللبن. انتهى، فإن جرت العادة في الوكيل أن يأخذ الشيء اليسير لبعض حاجته المعتادة كالأكل والشرب، وأن يتزوَّد من الوقود لمركبه ونحو ذلك فلا يجب الاستئذان فيه، إجراءً للإذن العرفي مجرى الإذن اللفظي، وعلى هذا يتخرَّج حديث عروة بن الجعد في تصرُّف الفضولي، فهو مأذونٌ له عرفًا في مثل ما فعل، والله أعلم.
ولا يجوز أخذ أموال الناس لمصلحة الجهاد أو الدعوة أو غيرها إلاَّ الزكاة الواجبة، وما يحتاجه من المال لأداء العبادات المفروضة عليه كنفقة الحجِّ والجهاد وغيرها، أما ما فوق ذلك فلا يحلُّ إلا بطيبة نفسٍ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى تجهيز الجيش وعنده أغنياء الصحابة فلم يُلزمهم بما فوق الزكاة، بل كان يُرغِّبهم فيقول:"من يُجهَّز جيش العُسرة وله الجنَّة"مع أنَّه صلى الله عليه وسلم أميرٌ عليهم وأمره نافذٌ فيهم لو كان هذا مما يملكه الأمير، فكيف بمن ليس لك عليه إمرةٌ ولا ولايةٌ من الولايات؟
ولا يُستثنى من هذا إلاَّ حال الضرورةِ الحقيقيَّة التي يُقدِّرها أهل العلم بالشرع والمعرفة بالواقع من المجاهدين فيجوز أخذ المال للضرورة ويجب ردُّه في أوَّلِ وقتٍ يستطيعون فيه الردَّ، فإن كان أُخذ للجهاد فيجب ردُّه من عامَّة مال المسلمين من أموال الجهاد أو غيرها متى زالت الضرورة، والله أعلم.
وأمَّا استئذانك صاحب المال فهو واجبٌ عليك إن أردت اقتراض ماله لتبذله في الخير الذي أردت، ولكن لا يلزمك أن تخبره بوجه المال ومصرفه، بل تكتفي بأن تقترض منه المالَ ولا يلزمك أن تفرِّق بين اقتراضك لحاجةٍ من الدنيا واقتراضك لتبذل المال في وجوه النفقات المشروعة، فإن أبى أن يُقرضك حتَّى يعلم ما تحتاج المال فيه، فلك أن تُورِّي إن كان في ذلك مصلحةٌ راجحةٌ، والله أعلم.
وإذا أردتَ عملًا صالحًا وقصرت عليك النفقة فاستعنِ الله عزَّ وجلَّ واحذر مخالفة أوامره، وعليك بأمرين: تقوى الله والبعد عما حرمه، والتوكُّل عليه فيما عزمتَ عليه من الطاعات، فإنَّ تيسير الله عز وجل مقرونٌ بهما كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) ، فهذا في أمور الدنيا والحاجة إلى الرزق، فكيف بمن يريد المال للجهاد في سبيل الله وسائر وجوه البر؟
واعلم أنَّك إن صدقتَ الله صَدَقَك ويسر لك أمرك، وإن لم يحصل ما أردت فإنَّ ثوابه لك كاملًا، ففي البخاري من حديث أنس، ومسلم من حديث جابر أنَّ النبي