صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلاَّ كانوا معكم؛ حبسهم العذر"، يُريد أنَّهم معهم في الثوابِ لصدق إرادتهم مع عجزهم ومن كان هذا حاله كتب الله له الثواب كاملًا، بل حتَّى ثواب الشهادة التي تقديم النفس لله وإسلام السلعة إليه ثبت فيه هذا الفضل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:"من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"، ولا يمكن أن يصدق في سؤال الشهادة إلاَّ أحد رجلين: مجاهد في سبيل الله يطلب الموت مظانَّه ويسعى في السبب القدري لنيلها وهو قتل أعداء الله، أو محبوسٌ عن الجهاد معذورٌ في تركه يتمنَّى لو قدر عليه فيجاهدَ في سبيل الله لينال الشهادة، كما هو حال الذين قال الله فيهم: (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) ، فمن كانت هذا حاله وهو يتمنَّى اللحوق بالمجاهد؛ فهما في الأجر سواء.
الأخ عزام من أرض الشام يسأل ويقول:
لي عندكم حاجة ونصيحة لعلكم تساعدوني كان لي تجربة سابقة في أرض جيراننا وأنا الآن على أبواب تجربة أخرى في أرض بعيدة، ولكن ما رأيت في تجربتي الأولى كان أمرًا صعبًا وهي تفت من عضدي، وجزاكم الله كل خير وحماكم.
الحمد لله، الجهاد عبادةٌ من العبادات، وشريعةٌ من شرائع الإسلام، وقد فصَّل الله في القرآن الأعذار التي تُبيح ترك الجهاد مع عدم ذكر أعذار الصلاة المفروضة، وبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزَّل الله من أمر الجهاد بيانًا شافيًا، كما أنَّ المنافقين اعتذروا عن الجهاد بجملة أعذارٍ، حكاها الله عزَّ وجلَّ في كتابه مفصَّلةً وأبطل احتجاجهم بها، وقُصَّت علينا في السيرة وصحيح السُّنَّة.
فكل ما يذكره الناس من أعذارٍ اليوم يعود إلى نوعٍ من هذه الأعذار، إمَّا الأعذار الشرعية وإمَّا أعذار المنافقين، وقلَّ أن تجد عذرًا من أعذار الناس إلاَّ وجدته في كتاب الله إمَّا بالنصِّ وإمَّا بوجهٍ من وجوه الدلالة تضمّنًا أو التزامًا، أو بدلالة القياس وقد تظهر لأحدٍ وتخفى على أحدٍ، وأصحاب الأعذار الشرعية قليلٌ في الناس زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم وبعدَه وأكثر الناس بين قادرٍ مستطيعٍ أو ممن كره الله انبعاثهم فثبَّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.