والأخ السائل سدده الله ووفقه لم يذكر العذر، ولكن على المسلم أن يعلم أنَّ الجهاد ليس تجربةً يُجرِّبها، بل هو فريضةٌ كلف بها المؤمنون مع كونه كُرهًا لهم، فليس إليه اختيار المضيِّ في الجهاد أو العزوفِ عنه وإنَّما هو عبدٌ شأنه الوقوف عند أحكام سيِّده، كما أنَّه ليس له الرجوع عن الصلاة والصيام والزكاة إلاَّ بعذرٍ من الأعذار الشرعية، فكذلك ليس له القعود عن الجهاد إلاَّ معذورًا بعذرٍ من الأعذار الشرعية.
وقد يتعذِّر عليه الجهاد في جبهةٍ من جبهاته أو جهةٍ من جهاته، ويكون مستطيعًا له قادرًا عليه في مكان آخر، فلا يسقط عنه الجهاد ما دام يستطيع أن يُؤدِّي فرض الله عليه في مكانٍ من الأرضِ.
وعلى المسلم أن يستعين الله عزَّ وجلَّ في أمره كلِّه، ويسأله التيسير ويحترز من الذنوب والمعاصي فإنَّ العبد يُحرم الخير الكثير بذنبٍ ربما استهان به، ولمَّا شكا رجلٌ إلى الحسن البصري ثقله عن قيام الليل قال له: قيَّدتنا ذنوبُنَا، والجهاد أثقل من قيام الليل على النفوس، ولذلك كان المنافقون يقومون إلى الصلاة كسالى أمَّا الجهاد فلم يكونوا ينفرون إليه بل يلتمسون الأعذار للقعود.
والشيطان يُلبِّس على العبد بأنواع مختلفة من الشبهات، فإذا خوَّفه من أوليائه المشركين فلم يرهبهم، خوَّفه الطريق إلى الجهاد وما فيه من المكروهات كالحرِّ وبُعد الطريق، كما ذكر الله عن المنافقين: (وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) ، وكما ذكر عنهم: (وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) ، وربما أتاه من جهة العزة بالإثم والاستكبار إذا لم يُؤخذ برأيه في أمرٍ من الأمور فيقول إذا أُصيب المسلمون بمصيبة: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) ، (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) ، كما قال ابن أبيٍّ لمَّا لم يُؤخذ برأيه في أحد، فمتى التفت العبد إلى شيء من هذه الخطوات صرفه الشيطان عن الجهاد، ومتى استعان بالله واستعاذ به وعزم على الرشد وتوكَّل على الله يسَّر الله له أمرَه، فانفر إلى الجهاد واسأل الله تيسير الأمور، نسأل الله لنا ولك التوفيق لما يحب ويرضى وأن يمسِّكنا بالعروة الوثقى، وأن يثبّتنا على التوحيد والسنة والجهاد ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ويختم لنا بالشهادة في سبيله.