وأُلقي السلاح، وزعم قوم ألا قتال؛ فقال صلى الله عليه وسلم:"كذبوا الآن حان القتال، لا تزال من أمتي أمة قائمة على الحق ظاهرة"، قال وهو مول ظهره إلى اليمن:"إني أجد نفس الرحمن من هاهنا، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها" [1] ، وفي الحديث من الفوائد أنَّ التنفيس الذي يكون من قبل اليمن هو في القتال وقيام الجهاد خاصةً كما هو ظاهر من السياق، فعلى أهل اليمن القيام بدورهم الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فبهم ينفِّس الله عن هذه الأمة وتفرَّج كربتها، وأيُّ كربةٍ أعظم مما نحن فيه اليوم؟ ويخرج منهم من ينصرون الله ورسوله كما جاء في حديث أهل عدن أبين، وقد كان لهم قدم الصدق، وقصب السبق في نصرة الإسلام منذ نصر الأوسُ والخزرج - وهم يمانيون سكنوا طيبة - رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وحتى جاء أمداد أهل اليمن وفيهم أويس بن عامر القرني رضي الله عنه، وحتى حروب الردة حين كسر الله بهم مع إخوانهم من المسلمين شوكة
(1) وأصل الحديث عند النسائي في الكبرى وفي المجتبى وأحمد والطبراني في الكبير ومسند الشاميين، وابن عساكر في تاريخ دمشق وغيرهم من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، ومحمد بن المهاجر عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل، ليس عندهم ذكر اليمن إلاَّ أن المزي رواه من طريق ابن أبي عبلة بالزيادة المذكورة، وقد روى الخبر أيضًا نصر بن علقمة عن جبير بن نفير بغير ذكر اليمن فيه، لكن قال أبو حاتم: نصر بن علقمة عن جبير بن نفير مرسل؛ فلا اعتبار بها، وجبير بن نفير جاء في هذا الخبر التصريح بسماعه من أبي هريرة من رواية إبراهيم بن سليمان الأفطس عن الوليد عنه وفي سماعات الشاميين بعض النظر، لكن الأصل قبولها من حفَّاظهم والثقات المتقنين منهم، وقد ذكروا أنَّ سلمة بن نفيل سكن حمصَ وجبيرٌ من أهل حمص وقد أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم مع حرصه على الحديث وكثرة روايته، وقلة من روى عن سلمة بن نفيل غيره فيبعد أنَّه سمعه من غيره، والظاهر صحة سماع جبير من سلمة وإن لم نقل بصحَّة ما روي من ذكره السماع، والحديث حسنٌ غريبٌ وزيادةُ إبراهيم بن سليمان فيه ثابتةٌ لا بأس بها وإبراهيم أثبتُ من سائر من روى الحديث، وهو أتمُّهم له روايةً، وأحسنهم له سياقةً، وإنَّما يُقبل مثل هذا التفرُّد دون الأوَّل الذي في حديث ابن عباس لأنَّ أحاديث الشاميين عزيزة، والثقة المتقن السالم حديثه من العلل قليلٌ، والأسانيد إلى حفاظهم وثقاتهم لا يصحُّ منها ما يصحُّ إلى الحفاظ من غير أهل الشام، وبخاصَّة أسانيد أهل حمص والكلام فيها مشهور، فإذا جاء الحديث عن الثقة منهم لم يضرّه التفرد لقلة الرواة أو قلة الصحيح عنهم، هذا والحديث محل البحث من مسند صحابي مقلٍّ ليس له أصحاب يحفظون حديثه بل لا يكاد يُعرف؛ فليس بمحلِّ الاشتهار، خلاف ما تفرد به المنذر بن النعمان، وفي الحديثين لطيفةٌ غريبةٌ؛ فقد تفرد المنذر الأفطس بالحديث اليمني في فضل اليمن، وتفرد إبراهيم الأفطس بذكر اليمن في الحديث الشامي؛ فتشابه الموضوع= إذ كلاهما في فضل اليمن، وتشابهت صفة الرواية= فكلاهما تفرد بفضيلة، وتشابهت صفة الراوي= فكلاهما أفطس على قلة من يلقب الأفطس من الرواة، وإن كان إبراهيم تفرد بلفظ في حديث توبع عليه بخلاف المنذر، مع الفرق الذي تقدم قريبًا.