وَقَالَ السُّدِّيّ وَغَيْره: نَزَلَتْ فِي جَعْلِهِمْ الْمَسِيح وَأُمّه إِلَهَيْنِ مَعَ اللَّه فَجَعَلُوا اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة بِهَذَا الِاعْتِبَار، قَالَ السُّدِّيّ وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِر السُّورَة: {وَإِذْ قَالَ اللَّه يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم أَأَنْتَ قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه قَالَ سُبْحَانك} الْآيَة وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الْأَظْهَر وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَمَا مِنْ إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد} أَيْ: لَيْسَ مُتَعَدِّدًا بَلْ هُوَ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ إِنَّهُ جَمَعَ الْكَائِنَات وَسَائِر الْمَوْجُودَات، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لَهُمْ وَمُتَهَدِّدًا: {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ} أَيْ: مِنْ هَذَا الِافْتِرَاء وَالْكَذِب {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاب أَلِيم} أَيْ فِي الْآخِرَة مِنْ الْأَغْلَال وَالنَّكَال [1] .
ثاني عشر: قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [2]
قال ابن كثير:"قَالَ {يَا أَهْل الْكِتَاب لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ غَيْر الْحَقّ} أَيْ لَا تُجَاوِزُوا الْحَدّ فِي اِتِّبَاع الْحَقّ وَلَا تُطْرُوا مَنْ أُمِرْتُمْ بِتَعْظِيمِهِ فَتُبَالِغُوا فِيهِ حَتَّى تُخْرِجُوهُ عَنْ حَيِّز النُّبُوَّة إِلَى مَقَام الْإِلَهِيَّة كَمَا صَنَعْتُمْ فِي الْمَسِيح وَهُوَ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء فَجَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا مِنْ دُون اللَّه وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِاقْتِدَائِكُمْ بِشُيُوخِكُمْ شُيُوخ الضَّلَال الَّذِينَ هُمْ سَلَفكُمْ مِمَّنْ ضَلَّ قَدِيمًا {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاء السَّبِيل} أَيْ وَخَرَجُوا عَنْ طَرِيق الِاسْتِقَامَة وَالِاعْتِدَال إِلَى طَرِيق الْغَوَايَة وَالضَّلَال" [3]
قال الطاهر:"الخطاب لعموم أهل الكتاب من اليهود والنصارى. والغلو مصدر غلا في الأمر: إذا جاوز حده المعروف. فالغلو الزيادة في عمل على المتعارف منه بحسب العقل أو العادة أو الشرع. وهذا نهي لأهل الكتاب الحاضرين عن متابعة تعاليم الغلاة من أحبارهم ورهبانهم الذين أساءوا فهم الشريعة عن هوى منهم مخالف للدليل. فلذلك سمي تغاليهم أهواء، لأنها كذلك في نفس الأمر وإن كان المخاطبون لا يعرفون أنها أهواء فضلوا ودعوا إلى ضلالتهم فأضلوا كثيرا مثل قيافا حبر اليهود الذي كفر عيسى عليه السلام وحكم بأنه يقتل، ومثل المجمع الملكاني الذي سجل عقيدة التثليث." [4]
(1) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 81
(2) سورة المائدة آية:77
(3) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 82
(4) عاشور، مرجع سابق، 6/ 290