وقال الطاهر:"استئناف ابتدائي لإبطال ما عليه النصارى، يناسب الانتهاء من إبطال ما عليه اليهود. والواو في قوله: {وقال المسيح} واو الحال. والجملة حال {من الذين قالوا إن الله هو المسيح} ، أي قالوا ذلك في حال نداء المسيح لبني إسرائيل بأن الله ربه وربهم، أي لا شبهة لهم، فهم قالوا: إن الله اتحد بالمسيح؛ في حال أن المسيح الذي يزعمون أنهم آمنوا به والذي نسبوه إليه قد كذبهم، لأن قوله: ربي وربكم، يناقض قولهم: إن الله هو المسيح، لأنه لا يكون إلا مربوبا، وذلك مفاد قوله {ربي} ، ولأنه لا يكون مع الله إله آخر، وذلك مفاد قوله {وربكم} ، ولذلك عقب بجملة {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} . فيجوز أن تكون هذه الجملة حكاية لكلام صدر من عيسى عليه السلام فتكون تعليلا للأمر بعبادة الله. ووقوع {إن} في مثل هذا المقام تغني غناء فاء التفريع وتفيد التعليل."
وفي حكايته تعريض بأن قولهم ذلك قد أوقعهم في الشرك وإن كانوا يظنون أنهم اجتنبوه حذرا من الوقوع فيما حذر منه المسيح، لأن الذين قالوا: إن الله هو المسيح. أرادوا الاتحاد بالله وأنه هو هو. وذلك شرك لا محالة، بل هو أشد، لأنهم أشركوا مع الله غيره ومزجوه به فوقعوا في الشرك وإن راموا تجنب تعدد الآلهة، فقد أيبطل الله قولهم بشهادة كلام من نسبوا إليه الإلهية إبطالا تاما.
وإن كانت الجملة من كلام الله تعالى فهو تذييل إثبات كفرهم وزيادة تنبيه على بطلان معتقدهم وتعريض بهم بأنهم قد أشركوا بالله من حيث أرادوا التوحيد". [1] "
حادي عشر: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [2] .
قال ابن كثير:"قَوْله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة} َالصَّحِيح أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي النَّصَارَى خَاصَّة قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد، ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْمُرَاد بِذَلِكَ كُفَّارهمْ فِي قَوْلهمْ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَة وَهُوَ: أُقْنُومُ الْأَب وَأُقْنُومُ الِابْن وَأُقْنُومُ الْكَلِمَة الْمُنْبَثِقَة مِنْ الْأَبِ إِلَى الِابْنِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلهمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ اِبْن جَرِير وَغَيْره: وَالطَّوَائِف الثَّلَاثَة مِنْ الْمَلَكِيَّة وَالْيَعْقُوبِيَّة وَالنَّسْطُورِيَّة تَقُول بِهَذِهِ الْأَقَانِيم وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا اِخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِع بَسْطه، وَكُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ تُكَفِّر الْأُخْرَى، وَالْحَقّ أَنَّ الثَّلَاثَة كَافِرَة."
(1) عاشور، مرجع سابق، 6/ 280
(2) سورة المائدة آية:73