الصفحة 55 من 83

والمقصود من الآية إنما هو إقامة التوراة والإنجيل عند مجيء القرآن بالاعتراف بما في التوراة والإنجيل من التبشير بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يؤمنوا به وبما أنزل عليه.

وقد أومأت هذه الآية إلى توغل اليهود في مجانبة الهدى لأنهم قد عطلوا إقامة التوراة منذ عصور قبل عيسى، وعطلوا إقامة الإنجيل إذ أنكروه، وأنكروا من جاء به، ثم أنكروا نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يقيموا ما أنزل إليهم من ربهم.

وقد فندت هذه الآية مزاعم اليهود أنهم على التمسك بالتوراة وكانوا يزعمون أنهم على هدى ما تمسكوا بالتوراة ولا يتمسكون بغيرها. وقد قال بعض النصارى للرسول - صلى الله عليه وسلم - في شأن تمسكهم بالإنجيل مثل قول بعض اليهود، كما في قصة إسلام عدي بن حاتم، وكما في مجادلة بعض وفد نجران"اهـ. [1] "

عاشرًا: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [2] .

قال ابن كثير:"يَقُول تَعَالَى حَاكِمًا بِتَكْفِيرِ فِرَق النَّصَارَى: مِنْ الْمَلَكِيَّة وَالْيَعْقُوبِيَّة والنَّسْطُورِيَّة مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمَسِيح هُوَ اللَّه، تَعَالَى اللَّه عَنْ قَوْلهمْ وَتَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عُلُوًّا كَبِيرًا هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَانَ أَوَّل كَلِمَة نَطَقَ بِهَا وَهُوَ صَغِير فِي الْمَهْد أَنْ قَالَ إِنِّي عَبْد اللَّه وَلَمْ يَقُلْ إِنِّي أَنَا اللَّه وَلَا اِبْن اللَّه بَلْ قَالَ: {إِنِّي عَبْد اللَّه آتَانِيَ الْكِتَاب وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} إِلَى أَنْ قَالَ: {إِنَّ اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم} ، وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُمْ فِي حَال كُهُولَته وَنُبُوَّته آمِرًا لَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّه رَبّه وَرَبّهمْ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَسِيح يَا بَنِي إِسْرَائِيل اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ} أَيْ: فَيَعْبُد مَعَهُ غَيْرَهُ {فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة وَمَأْوَاهُ النَّار} أَيْ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّار وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} ، وَفِي الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيّ - - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاس:"إِنَّ الْجَنَّة لَا يَدْخُلهَا إِلَّا نَفْس مُسْلِمَة وَفِي لَفْظ مُؤْمِنَة"،وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ الْمَسِيح أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيل إِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة وَمَأْوَاهُ النَّار وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار"أَيْ وَمَا لَهُ عِنْد اللَّه نَاصِر وَلَا مُعِين وَلَا مُنْقِذ مِمَّا هُوَ فِيهِ" [3] ."

(1) عاشور، مرجع سابق، 6/ 264

(2) سورة المائدة آية:72

(3) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 81

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت