أشد في عدم إقامته، وبالقرآن. وقد أومأت الآية إلى أن سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب الله تعالى عليهم لإضاعتهم التوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن، أي فتحتمت عليهم النقمة بعد نزول القرآن.
ويحتمل أن يكون المراد: لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام، أي بالاعتراف بما في التوراة والإنجيل من التبشير ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم حتى يؤمنوا به وبما جاء به، فتكون الآية إشارة إلى ضيق معاشهم بعد هجرة الرسول إلى المدينة." [1] "
تاسعًا: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [2] .
قال الطاهر:"هذا الذي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله لأهل الكتاب هو من جملة ما ثبته الله على تبليغه بقوله {بلغ ما أنزل إليك من ربك} ، فقد كان رسول الله يحب تألف أهل الكتاب وربما كان يثقل عليه أن يجابههم بمثل هذا ولكن الله يقول الحق."
فيجوز أن تكون جملة {قل يا أهل الكتاب} بيانا لجملة {بلغ ما أنزل إليك من ربك} ، ويجوز أن تكون استئنافا ابتدائيا بمناسبة قوله {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} .
والمقصود بأهل الكتاب اليهود والنصارى جميعا؛ فأما اليهود فلأنهم مأمورون بإقامة الأحكام التي لم تنسخ من التوراة، وبالإيمان بالإنجيل إلى زمن البعثة المحمدية، وبإقامة إحكام القرآن المهيمن على الكتاب كله؛ وأما النصارى فلأنهم أعرضوا عن بشارات الإنجيل بمجيء الرسول من بعد عيسى عليهما السلام.
ومعنى {لستم على شيء} نفي أن يكونوا متصفين بشيء من التدين والتقوى، لأن خوض الرسول لا يكون إلا في أمر الدين والهدى والتقوى.
والشيء اسم لكل موجود، فهو اسم متوغل في التنكير صادق بالقليل والكثير، ويبينه السياق أو القرائن. فالمراد هنا شيء من أمور الكتاب، ولما وقع في سياق النفي في هذه الآية استفيد نفي أن يكون لهم أقل حظ من الدين والتقوى ما داموا لم يبلغوا الغاية التي ذكرت، وهي أن يقيموا التوراة والإنجيل والقرآن. والمقصود نفي أن يكون لهم حظ معتد به عند الله، ومثل هذا النفي على تقدير الاعتداد شائع في الكلام.
(1) عاشور، مرجع سابق، 6/ 253
(2) سورة المائدة آية:68