اِخْتَلَقُوهُ وَافْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ فَقَالَ: {غُلَّتْ أَيْدِيهمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} وَهَكَذَا وَقَعَ لَهُمْ فَإِنَّ عِنْدهمْ مِنْ الْبُخْل وَالْحَسَد وَالْجُبْن وَالذلَة أَمْرًا عَظِيمًا [1] .
ثامنًا: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [2] .
قال ابن كثير: ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَلا: {وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا وَاتَّقَوْا} أَيْ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَاتَّقَوْا مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ الْمَآثِم وَالْمَحَارِم {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّات النَّعِيم} أَيْ لَأَزَلْنَا عَنْهُمْ الْمَحْذُور وَأَنَلْنَاهُمْ الْمَقْصُود. .
قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ} ، قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره: هُوَ الْقُرْآن لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ أَيْ لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي الْكُتُب الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَنْ الْأَنْبِيَاء عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْر تَحْرِيف وَلَا تَبْدِيل وَلَا تَغْيِير لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى اِتِّبَاع الْحَقّ وَالْعِلْم بِمُقْتَضَى مَا بَعَثَ اللَّه بِهِ مُحَمَّدًا - - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّ كُتُبهمْ نَاطِقَة بِتَصْدِيقِهِ وَالْأَمْر بِاتِّبَاعِهِ حَتْمًا لَا مَحَالَة" [3] ."
قال الطاهر:"عقب نهيهم وذمهم، بدعوتهم للخير بطريقة التعريض إذ جاء بحرف الامتناع فقال: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} والمراد اليهود. والمراد بقوله ... {آمنوا} الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -،وفي الحديث:"اثنان يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي أي عندما بلغته الدعوة المحمدية فله أجران، ورجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران.""
إقامة الشيء جعله قائما، واستعيرت الإقامة لعدم الإضاعة لأن الشيء المضاع يكون ملقى، ولذلك يقال له: شيء لقى، ولأن الإنسان يكون في حال قيامه أقدر على الأشياء، فلذا قالوا: قامت السوق. فيجوز أن يكون معنى إقامة التوراة والإنجيل إقامة تشريعهما قبل الإسلام، أي لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غضبه فلأغدق عليهم نعمة، فاليهود آمنوا بالتوراة ولم يقيموا أحكامها كما تقدم آنفا، وكفروا بالإنجيل ورفضوه، وذلك
(1) ابن كثير، مرجع سابق،2/ 75
(2) سورة المائدة الآيتان:65 - 66
(3) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 76